هل قرأ العرب كونديرا حقا؟


لم أحضر ولو مرة واحدة لندوة أو ملتقى دولي مخصص لترجماته

أمين الزاوي كاتب ومفكر @aminzaoui1

بلاغة الثرثرة

أجزم أن العرب لم يقرأوا كونديرا، أقصد الكتاب والمثقفين والجامعيين، لم يقرأوه كما تجب القراءة، وإذا بهم وبمجرد الإعلان عن موته، تندلق ألسنتهم وتسيل أقلامهم في نصوص مفعمة ببلاغة الثرثرة، يرثونه، يبكون عليه، بعض سلخ مقالات نشرت في الإعلام الغربي ونشروها بالعربية وكأنهم قرأوه وتأثروا بفلسفته وبطريقة سرده. كل ما كتب عنه يعيد المعلومات نفسها المنشورة في الصحافة الغربية، هذا الادعاء الأدبي “المتعالم” هو أصل العطب في ذهنية الكاتب العربي وسبب هشاشة بنية المثقف بشكل عام.

لا وجود لأثر حقيقي وفاعل لكونديرا على كتاب السرد ولا على النقاد العرب والمغاربيين بشكل يجعلهم ينتجون كل هذا الحديث المكرر والمبالغ فيه.

 لا أحد يشكك في أن ميلان كونديرا كاتب بصم تاريخ الآداب العالمية المعاصرة، لكن المثقف العربي لا يكتب عن هذه القامة تحليلاً إنه ينشئ عنه رثاء على طريقة الأجداد.         

صحيح أن مجموعة من عناوينه ترجمت إلى العربية، وهذا جيد وإيجابي، شأنه شأن كثيرين من الكتاب الذين تميزوا في مسارهم الأدبي بأمر سياسي أو فني، ومن بين مؤلفاته التي نقلت إلى العربية نذكر “البطء” و”الخلود” و”المحاورة” و”المزحة” و”الهوية” و”الوصايا المغدورة” و”غراميات مرحة” و”فالس الوداع” و”كائن لا تحتمل خفته” و”الجهل” و”فن الرواية” و”لقاء” و”الحياة في مكان آخر”.

وقبل إثارة قضية مستوى جودة الترجمة واحترافيتها، أتساءل من باب الأخلاق، هل تحصل كونديرا على حقوق من هذه الترجمات إلى العربية كما يحصل عليها من ترجمات كتبه إلى لغات العالم الأخرى؟

كنت أتمنى لو أن مؤسسة “كلمة” للترجمة والنشر تولت بطريقة منهجية إصدار مؤلفاته بما لها من خبرة وإمكانات.  

وأتساءل أيضاً وفي سياق “عجاج الثرثرة” التي أثارها موته، كم يكون ناشرو كتبه وهم كثر قد سحبوا من نسخة من كل عنوان؟

سألت مرة أحد الأصدقاء الناشرين في معرض كتاب في عاصمة عربية عن عدد النسخ التي سحبها من عنوان كونديرا فقال لي “لا تتجاوز 300 نسخة”، إنه رقم مضحك ومبكٍ في الوقت نفسه أمام عدد نسخ سحب كتبه في لغات أوروبا وأميركا وآسيا.

بمثل هذا العدد من السحب، وعلى رغم ذلك المجهود الواضح، وتلك النية الأدبية الصادقة لدى المترجمين ولدى الناشرين، فإن هذه المترجمات لا يمكنها أن تشكل الأثر المطلوب في القراءة السردية والنقدية إلى الدرجة التي تثير فيها كل هذه الزوبعة التي أحدثها الإعلان عن موته، على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى صفحات وحسابات بعض الكتاب والإعلاميين والجامعيين، حتى بتنا نتصور وكأن المثقف العربي يصحو وينام مع كتب ميلان كونديرا، قد ذكرني هذا الضجيج المبالغ فيه بما حدث في ثمانينيات القرن الماضي مع روايات غارسيا ماركيز، حتى أصبح آنذاك كل روائي عربي يكتب في “الواقعية السحرية”.  

إن القارئ بالعربية يفضل في الغالب قراءة الروايات الأجنبية المترجمة عن تلك المكتوبة بالعربية مباشرة لأسباب سياسية والمرتبطة أصلاً بحرية الإبداع، فالقارئ لا يثق بالنصوص العربية المنشورة في بلدان حيث سوق الكتاب، بشكل عام، تحت عيون أنظمة سياسية تناهض حرية الإبداع وتحاصر المبدع، أنظمة سمحت للرقيب الديني والأخلاقي بشكل واضح أن يحاكم الإبداع ويفتي في جوازه وتكفيره وتحريمه كما يشاء، رقيب ديني يشتغل كوكيل شرطة للأنظمة، أمام هذا الوضع يقبل القارئ على النصوص الروائية المترجمة وهو يقول، “ربما عين الرقيب العربي ستكون رحيمة قليلاً على نص أجنبي باعتباره غير موجه للقارئ العربي”، لذا فالحرية الجزئية ربما تكون مضمونة في مثل هذه النصوص.

الشخص قبل النص

في ظل وضع سيكولوجي وثقافي وسياسي عربي معقد، يبدو الاهتمام بشخصية ميلان كونديرا لا بكتبه من باب أن لهذا الكاتب مساراً سياسياً خاصاً ارتبط بربيع براغ، ومن بعده ما لحقه من المنع والقابة والنفي وصل إلى حد إسقاط الجنسية التشيكية عنه وبلغت ذروة خصوصية هذا المسار في تبديل لغة الكتابة من التشيكية التي كتب بها جميع نصوصه التي نشرت قبل 1993، إلى اللغة الفرنسية التي أبدع فيها جميع كتبه اللاحقة سردية أو نقدية.

إن تجربة المحنة التي عاشها ميلان كونديرا تشبه إلى حد كبير واقع القمع والمنع والاضطهاد والحيرة التي يعانيها كثير من المبدعين العرب والمغاربيين، وقد تكون هذه الحال هي ما جعلت المثقفين والكتاب والجامعيين بشكل عام يتعاطفون مع وضعه وجعلهم يهتمون بشخصه في المقام الأول أكثر من اهتمامهم بمؤلفاته السردية أو بفلسفته في الكتابة وفي الكتابة، ومن هذا المنظور بدت الكتابة العربية عنه بعد وفاته تدخل في باب “الرثاء” وقبل موته في باب “المديح”.

لقد اهتم المثقف العربي بشخصية كونديرا لا بكتبه، بالظاهرة السياسية فيه لا بنصوصه وأفكاره، كثر الحديث عنه وغاب الحديث عن أعماله حتى أضحى شبه صرعة ثقافية وجامعية اجتاحت الأوساط الأدبية والجامعية والإعلامية العربية سنوات التسعينيات وبداية الألفية الثالثة وها هي تعود بالإعلان عن موته، ثم بعد ذلك سينام في النسيان الثقافي النهائي.

ظل كونديرا غائباً، لا أعرف لكونديرا حديثاً في قناة تلفزيونية عربية أو إذاعية أو حتى حوار في جريدة من الجرائد الكثيرة المنتشرة في كل هذه المنطقة، ولم يحظ بأي مشاركة لا في الملتقيات الجامعية الكثيرة ولا في معارض الكتب العربية المتتالية، صحيح أن كونديرا كاتب بمزاج خاص فهو لا يريد الظهور الإعلامي ولا يحب لقاء الجمهور ويفضل الابتعاد عن الأضواء، لكن في المقابل ولا جامعة عربية أو مغاربية واحدة منحته مثلاً دكتوراه فخرية كما حصل مع عدد من الجامعات الأوروبية والأميركية والآسيوية التي قرأته وشكلت أفكاره في نخبها الأكاديمية والإبداعية تأثيراً معيناً.

أزيد من 30 عاماً وأنا أدرس، وما زلت، في الجامعات الجزائرية وغيرها وشاركت وأشارك في كثير من الملتقيات الدولية الأكاديمية المغاربية والعربية ولم أحضر ولو مرة واحدة لندوة أو ملتقى دولي مخصص لكونديرا أو لترجماته إلى العربية؟

وإذ صمت العرب، منحت إسرائيل ميلان كونديرا عام 1985 جائزة القدس (أورشليم) الأدبية العالمية في المقابل لم تنتبه أية جهة عربية رسمية أو شعبية أو ثقافية أو أكاديمية فتقيم له تكريماً خاصاً يليق بمقامه على رغم كثرة الضجيج عنه.

وبالمناسبة، فإن كلمته التي ألقاها في حفل استلام جائزة القدس (أورشليم) منشورة كمقدمة لكتابه الشهير “فن الرواية” بالفرنسية، وقد أسقطها مترجمو الكتاب إلى العربية مما يؤكد مرة أخرى أن هذه الترجمات هي ترجمات “هواية” و”هواة” وليست من ترجمة “الاحترافية” و”المحترفين”.

ما في ذلك شك فميلان كونديرا كاتب كبير استطاع أن يترك أثراً عميقاً في بنية الكتابة العالمية جمالياً وفلسفياً، وهو ما يبرر الاحتفاء به في كل البلدان، لكن الاحتفاء به والمبالغ فيه من قبل العرب، على وسائل التواصل الاجتماعي، يدعو إلى الاستغراب والحيرة.

وهذا الانشغال الزائد برحيل كونديرا في بلاد لم تقرأه بما يكفي، يشبه إلى حد كبير شغل “نواحات” الجنائز، فبكّاءة المأتم تبكي الميت وكأنه أقرب الناس إليها، وكذا يريد أن يوحي لنا هذا الضجيج الإعلامي وكأن كونديرا جزء عضوي في بنية ثقافتنا المحلية، وهذه الحال تؤكد الخلل العضوي في المنظومة الثقافية العربية والمغاربية برمتها وفي البنية العقلية والسيكولوجية للأدباء والمثقفين والإعلاميين بشكل عام.

هذه واحدة من أسرار هشاشة تشكل النخب العربية المعاصرة، وسر محنتها أيضاً.

اندبندنت