روعة قاسم
تونس ـ تتميز تونس بثراء كبير وتنوع جغرافي قل نظيره في العالم من خلال شواطئها الرملية والصخرية، وجزرها المتناثرة في حوضي المتوسط الشرقي والغربي، ومن خلال سهولها وأراضيها الفلاحية الخصبة، وأنهارها وجداولها وبحيراتها، وجبالها وغاباتها الكثيفة. كما تتميز بوجود جبال وصحارى رملية يطيب فيها العيش بسبب واحاتها التي تتوفر بها ينابيع المياه الصافية والشلالات وأشجار النخيل الباسقة المتجذرة في تربتها والصامدة بوجه الزمن والتغيرات المناخية التي شهدتها هذه المنطقة من العالم.
تاريخ ضارب في القدم
تم الحديث عن واحات الجنوب التونسي في مختلف المراجع التاريخية القديمة حيث تحدث عنها بإطناب عالم الزراعة ماجون القرطاجي في مدونته الفلاحية الشهيرة التي ترجمها الرومان عن القرطاجيين واستمرت المرجع الفلاحي الأول في العالم حتى زمن تواجد المسلمين في الأندلس. وتضمنت المدونة قواعد غراسة النخيل والعناية بها وإنتاج التمور ومختلف الأنواع المتواجدة في تلك المناطق ومنها ما أطلق عليها التونسيون القدامى تسمية «دقلة النور» بالإضافة إلى أنواع أخرى عديدة.
كما تضمنت النقود القرطاجية القديمة التي تعود إلى فترة تمتد إلى تسعة قرون قبل ميلاد المسيح صورا لنخيل الواحات التونسية تتدلى منها أجود أنواع التمو التي استمرت هذه الأرض في إنتاجها وتصديرها إلى يوم الناس هذا. فالنخلة والحصان والسفينة كانت من أهم رموز الحضارة القرطاجية، وتشير جميعها إلى قوة هذه الحضارة التي اعتمدت على الفلاحة ورمزها النخلة، وعلى القوة العسكرية ورمزها الحصان وعلى التجارة البحرية ورمزها السفينة.
وقد استوطن الإنسان هذه الواحات التونسية منذ أقدم العصور وتدل الآثار المتواجدة بها على قدم الإنسان الباحث عن الماء والمرعى والكلأ في تلك الربوع التونسية الجميلة التي تعتبر بوابة الصحراء الكبرى الأفريقية. فمدينة قفصة التونسية، التي نشأت على إحدى هذه الواحات، وعلى سبيل المثال، هي منشأ الحضارة القبصية التي انتشرت في شمال أفريقيا خلال العصر الحجري وانتقل تأثيرها إلى جنوب القارة الأوروبية وغرب آسيا.
وتدل الآثار والمعالم المنتشرة في هذه الواحات وفي محيطها وغير بعيد عنها، والمدن الناشئة فيها، والتي تعود إلى العصر القبصي وما بعده وصولا إلى العصور الإسلامية، إلى أهمية تلك الواحات التونسية في جذب الإنسان واستقراره ودفعه إلى تشكيل الحضارة. فكل مقومات الحياة موجودة بها رغم وقوعها في صحراء مترامية قد تبدو للبعض قاحلة وجرداء ولا تساعد ولا تشجع على الاستقرار وتشكيل الأنماط الحياتية الملائمة للساكنة ولمتطلباتهم اليومية ولإبداعهم.
أشكال متنوعة
وتوجد في جنوب تونس واحات جبلية نشأت وسط الصخور وحول منابع المياه من عيون وجداول وشلالات، وأظهرت أن النخيل لا ينبت فقط في الرمال بل بامكانه أن ينبت وسط الصخور ويتحدى قساوة التضاريس المحيطة في تلك الربوع. ومن بين هذه الواحات، الشبيكة وتمغزة وميداس التابعة لولاية توزر الواقعة بالجنوب الغربي للبلاد التونسية وقد تحولت اليوم إلى مزارات للسياح من مختلف أنحاء العالم واشتهرت صورها في الكتب والنشريات والمواقع التي تهتم بالسياحة الصحراوية في العالم.
وقد نشأت في هذه الواحات قرى وتجمعات سكنية حملت أسماء هذه الواحات ويتواجد بها أهلها ولم يهجروها إلى المدن الكبرى مثلما فعل سكان مناطق عديدة في مختلف جهات الجمهورية خصوصا بالمناطق الداخلية للبلاد. ولعل قرية تمغزة الجبلية التي حافظت على طابعها المعماري الجبلي تعتبر أهم هذه القرى الجبلية التي نشأت حول الواحات ومنابع المياه، وهي خير مثال لصمود الإنسان في تلك الربوع النائية من تراب تونس.
كما توجد بالجنوب واحات رملية صحراوية منبسطة نشأت بين كثبان الرمال ومنحت المشهد الصحراوي جمالا خلابا ومن ذلك واحات توزر وواحات وواحات دوز وقبلي وواحة قصر غيلان وغيرها. وقد قامت المدن والقرى والتجمعات السكنية حول هذه الواحات منذ القديم ونشأت فيها أنشطة متعددة على غرار الفلاحة والصناعات التقليدية التي تقوم بالأساس على ما توفره النخلة من مواد أولية على غرار جريد النخيل.
وازدهرت هذه التجمعات السكنية حتى باتت مدنا كبرى مثل توزر وقبلي ودوز التي ازدهرت تاريخيا وحضاريا في مختلف العصور والحقب التي مرت بها البلاد التونسية. وأنجبت هذه المدن أسماء لامعة ومشاهير في كافة المجالات كانت لهم إسهامات هامة في تاريخ تونس القديم والحديث على حد سواء وكثير منهم باتوا رموزا للبلاد وفاقت شهرتهم هذه الربوع إلى العالم العربي والعالم بوجه عام.
كما توجد بالجنوب التونسي وتحديدا بالجنوب الشرقي واحات بحرية على غرار واحات ولاية قابس وواحات حامة قابس ومنطقة الزارات وشنني ووذرف وغيرها. وتمتزج في هذه الواحات خضرة أشجار النخيل الباسقة الكثيفة من حيث العدد، بزرقة بحر خليج قابس الساحر، وذلك في مشهد جميل ومهيب ورائع لا مثيل له في جميع أنحاء العالم.
لقد وصف البعض واحات الجنوب التونسي بأنها موطن الحضارات الموغلة في القدم وخزان العادات والتقاليد، وبأنها حافظة اللغة العربية في المنطقة المغاربية، وموطن الشعراء وحفظة القرآن الكريم ومرقد كبار العلماء والشيوخ الأجلاء وحتى صحابة رسول الله.
معالم عديدة
تضم واحات تونس معالم عديدة وهامة كانت نتاجا طبيعيا لتعاقب الحضارات المحلية على غرار القبصية والقرطاجية والنوميدية والإسلامية، والوافدة ومنها الحضارة الرومانية والبيزنطية. وقد خلقت هذه الحضارات تنوعا رائعا من الناحية المعمارية وأقامت الدليل على أن الجغرافيا المتمثلة في وقوع تونس في قلب المتوسط فاصلة بين حوضيه الشرقي والغربي وعلى مضيق صقلية في تماس مع قارتي أوروبا وأفريقيا وعلى الطريق البحرية الدولية، لا يمكن إلا أن تصنع التاريخ والتنوع حتى وإن تعلق الأمر بصحراء في جنوب البلاد يبدو لمن لا يعرفها أن قاحلة.
ومن أهم معالم واحات تونس المدينة العتيقة بتوزر ذات الطابع المعماري العربي الإسلامي الفريد والتي بنيت بطريقة تحمي السكان من حر الصحراء، وكذا المدينة العتيقة بنفطة التابعة لولاية توزر والتي لها طابعها المعماري الفريد. وتوجد بتوزر التاريخية نفسها عديد المعالم على غرار مسجد بلاد الحاضر كما يوجد بها متحف دار شريط وهو متحف شهير ومزار للسياح من مختلف أنحاء العالم باعتباره يضم عدة أقسام، واحد لحفظ التراث والصناعات التقليدية التونسية، وقسم يروي تاريخ تونس منذ الإنسان البدائي، وآخر مخصص لأساطير ألف ليلة وليلة وفيه مجسمات لعلاء الدين ومصباحه السحري والسندباد والرخ وبيضته الكبيرة وعلي بابا والأربعون لصا وغيرها من شخصيات ألف ليلة وليلة، بالإضافة إلى المقاهي التي تطل على «ديكور» جميل وفني نابع من طبيعة المنطقة ومعمارها.
ومن معالم واحات تونس الجامع الكبير بقفصة والصهاريج والحمامات التي يرجعها البعض إلى العهد الروماني فيما يؤكد البعض على أنها أسبق من الوجود الروماني وهي من إنشاءات القرطاجيين. فمدينة قفصة هي أقدم حواضر المنطقة المغاربية على الإطلاق ومن رحمها نشأت الحضارة القبصية التي امتد تأثيرها إلى كامل الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط وإلى مناطق أخرى من العالم.
ومن معالم الواحات مقام الصحابي الجليل أبو لبابة الأنصاري حلاق النبي الذي قدم إلى الربوع التونسية شأنه شأن صحابة كثر وتابعين لنشر الإسلام واستقر عدد هام منهم بمدينة القيروان وآخرون بمدن أخرى وفيها ماتوا ودفنوا. واشتهرت قابس كثيرا بأبي لبابة الأنصاري وأنجبت مشاهير كثر للبلاد التونسية ساهموا في تاريخها وفي حركتها الوطنية التحررية من الاستعمار وساهموا في بناء الدولة وفي إثراء المشهد الثقافي.
كما تضم واحات تونس مقامات وأضرحة لعدد لا يحصى من الأولياء ومشائخ الطرق الصوفية الذين استهوتهم بلاد الجريد وقابس وقفصة ودوز وقبلي وتطاوين وغمراسن وغيرها. فأينما يولي المرء وجهه يجد مقاما أو زاوية أو غيرها سواء في مناطق العمران أو في المناطق النائية والقفار في هذه الصحراء المترامية التي تمتد إلى بلدان أفريقيا جنوب الصحراء.
مشاهير مؤثرون
وأنجبت مدن الواحات في تونس وقراها العديد من المشاهير وفي مقدمة هؤلاء شاعر الخضراء أبو القاسم الشابي صاحب قصيدة إرادة الحياة التي أصبحت شعارا عالميا لكل من يروم التحرر سواء من الاستعمار أو الظلم والاستبداد، والشابي هو من مواليد قرية الشابية التابعة لولاية توزر. ومن المشاهير أيضا محمد الخضر حسين الذي ولد بواحة نفطة وأهله تعليمه الزيتوني التونسي ليكون شيخا للأزهر الشريف في مصر.
ومن مشاهير الواحات أيضا ابن الشباط التوزري العالم الرياضي والأديب والمؤرخ والمهندس البارع الذي قسّم مياه توزر داخل الواحات بطريقة عبقرية وما زالت طريقته معتمدة إلى اليوم في واحات توزر. وقد خط إبن الشباط مؤلفات عديدة منها «صلة السمط وسمة المرط» و«عجالة الروية في تسميط القصيدة النحوية» و«العقد الفريد في تاريخ علماء الجريد» و«أنيس الفريد في حلية أهل الجريد» و«تحفة المسائل بمنتخب الرسائل» و«الشعب الشهية والتحف الفقهية» و«الملقين إلى سبيل التلقين» وغيرها.
كما أنجبت منطقة الصحراء والواحات مناضلين قاوموا المستعمر وساهمت تضحياتهم في تحرير البلاد على غرار محمد الدغباجي إبن حامة قابس والمفكر الطار الحداد صاحب كتاب «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» إبن حامة قابس أيضا. كما أنجبت واحة الحامة الزعيم النقابي محمد علي الحامي مؤسس جامعة عموم العملة التونسيين سنة 1924 التي مهدت لتأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل على يد الشهيد فرحات حشاد ابن جزيرة قرقنة التي لا تخلو بدورها من أشجار النخيل.
أنشطة متعددة
تعتبر الزراعة أهم نشاط لسكان الواحات التونسية وخصوصا نشاط إنتاج التمور الذي عرفت به تونس تماما كإنتاجها لزيت الزيتون. ومن أهم التمور التي تنتجها هذه الواحات دقلة النور التي ذاع صيتها في العالم واقتحمت الأسواق في أوروبا وشرق آسيا والأمريكيتين. وتصدر تونس هذا النوع من التمور منذ سنة 1890 وهو من المنتوجات الفلاحية التي تدر العملة الصعبة على الاقتصاد ويتم تنظيم مهرجانات سياحية بالتزامن مع جنيها خلال فصل الخريف.
وتختص بدقلة النور على وجه الخصوص واحات قبلي ودوز التي يقام بها مهرجان الصحراء بدوز، وأيضا واحات توزر التي يقام بها سنويا مهرجان الواحات بتوزر. وكل من المهرجانين له صبغة دولية وذاع صيته في العالم ويأتيه الزوار من كل حدب وصوب للاستمتاع بعروض الفروسية وإلقاء الشعر والاستماع إلى الموروث الغنائي الصحراوي وأيضا لحضور عملية جني التمور.
كما تنشط السياحة الصحراوية بكثرة في هذه الواحات في ظل توفر ثلاثة مطارات هي مطار توزر نفطة الدولي ومطار جربة جرجيس الدولي ومطار قفصة القصر، وفي ظل وجود بنية تحتية من أرقى وأفخم الفنادق والمناطق السياحية المجهزة بجميع المرافق التي يحتاجها السائح الراغب في زيارة تلك الربوع الخلابة من التراب التونسي. وهناك أيضا المقاهي والمطاعم والمتاحف والمناطق الأثرية التي تعود إلى مختلف الحقب التي عرفتها تونس على غرار فترة الحضارة القبصية والحضارة القرطاجية والحقبة الرومانية والبيزنطية والفترة الإسلامية.
وازدهرت في هذه الواحات أيضا الصناعات التقليدية التي تعود إلى العصور الغابرة وتوارثها السكان جيلا بعد جيل وأتقنوها تماما كما آباؤهم الأولين. ومن الصناعات التقليدية المعروفة في تلك الربوع صناعة المرقوم وهو نوع من أنواع السجاد يتم تشكيله على نول تماما كالنسيج ويتضمن أشكالا تختص بها تلك الربوع. كما يتم نسج البرنس أو البرنوس وهو لباس صوفي يرتديه التونسيون شتاء فوق الجبة أو العباءة التونسية. ومن الأنشطة الحرفية أيضا صناعة القفاف من سعف النخيل وهي سلال للتبضع بالخضراوات والغلال واللحوم وغيرها وكذلك المظلة وهي غطاء للرأس يقي من شمس الصحراء الحارقة.
كما تنشط صناعات تقليدية أخرى مرتبطة بأواني الفخار وسروج الخيول والإبل وغيرها باعتبار أن الفروسية تستقطب سكان هذه الواحات منذ أقدم العصور. وعديدة هي الصناعات التقليدية التي تميز تلك الربوع والتي تجعل السائح الأجنبي حائرا في أمره مع تعدد المعروض وتنوعه.
كما تعتبر منطقة الواحات من أغنى مناطق البلاد بالثروات الطبيعية، فقريبا من واحات قفصة يقع الحوض المنجمي حيث الفوسفات بكميات وفيرة تؤهل البلد ليحتل مراتب متقدمة عالميا من حيث الاحتياطي والإنتاج. كما توجد في هذه الصحاري حقول النفط والغاز وأشهرها حقول البرمة للنفط ونوارة للغاز الطبيعي، ومن المتوقع أن تتحول هذه الصحراء إلى منتج هام في العالم للطاقة الشمسية وللهيدروجين الأخضر خاصة مع إقامة محطات لتحلية مياه البحر قرب الواحات البحرية في الزارات بقابس وفي جرجيس وجربة من ولاية مدنين وغيرها.
وفي منطقة الواحات تتركز الصناعات منها تحويل مادة الفوسفات حيث يوجد بقابس المجمع الكيميائي الصناعي التونسي الذي يقوم باستخراج مختلف المكونات من مادة الفوسفات فتزيد قيمته المضافة خلافا لتصديره خاما. كما توجد صناعات أخرى ومنها صناعة النسيج والصناعات الغذائية وهناك مشاريع لمناطق صناعية جديدة تستقطب الصناعات التكنولوجية وصناعة تكنولوجيا الطاقة البديلة وصناعة قطع غيار السيارات وقطع غيار الطائرات وصناعة الذكاء الاصطناعي وذلك للاستفادة من خريجي الجامعات وخصوصا جامعة قابس.
القدس العربي