استعدوا للعصر النووي القادم

كيف يمكن لترمب أن يدفع نحو انتشار الأسلحة النووية؟

جدعون روز

تفكيك إدارة ترمب الثانية للنظام الدولي يهدد نظام منع الانتشار النووي، ما قد يدفع دولاً حليفة للولايات المتحدة إلى امتلاك أسلحة نووية نتيجة فقدان الثقة بالضمانات الأمنية الأميركية، مما ينذر بأزمات نووية جديدة.

فيما تعمل إدارة ترمب الثانية على تفكيك عناصر أساس في النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، يبدو أنها لم تفكر في بعض العواقب المحتملة الواضحة لأفعالها، مثل تحفيز موجة جديدة من الانتشار النووي، وهذه المرة لن يكون مصدرها الإرهابيون أو الأنظمة المارقة، بل البلدان التي عرفت سابقاً بأنها من حلفاء الولايات المتحدة.

إن العودة إلى أسلوب السياسة الخارجية الذي كان سائداً قبل قرن من الزمان لن يلغي التهديدات الحديثة التي نواجهها اليوم، والمتمثلة في انتشار المعرفة النووية واسعة النطاق والتكنولوجيا النووية التي يمكن الحصول عليها نسبياً بكلفة منخفضة وبسهولة. في الواقع، إن نظام منع الانتشار النووي الذي يحد من امتلاك أسلحة نووية على نطاق واسع، هو عمل طوعي قائم على ضبط النفس الوطني المنسق، تلتزمه البلدان لأنها تشعر بأمان أكبر في ظله مما لو كانت من دونه. لكن هذا الشعور بالأمان ينبع إلى حد كبير من فكرة أن هذا النظام مدمج ضمن منظومة دولية أوسع تخضع لإشراف قوة أميركية حميدة بصورة عام. لكن هذه الشبكة من الشراكات الدولية التعاونية، بما في ذلك مؤسسات مثل حلف شمال الأطلسي، هي التي تعمل إدارة ترمب حالياً على تفكيكها.

يتعين على الجميع أن يفهموا أنه إذا سقط النظام الليبرالي فسيسقط معه نظام منع الانتشار النووي. وحينئذ ستكون القوى التي تتدافع للحصول على الأسلحة النووية هي دول كانت حليفة للولايات المتحدة، لكنها لم تعد مقتنعة بأنها تستطيع الاعتماد على الضمانات الأمنية الأميركية، وربما قد تجد نفسها مضطرة حتى إلى الخوف من الإكراه والضغوط التي تمارسها واشنطن.

وبحسب المقولة الشهيرة لعالم السياسة كينيث والتز في ما يتعلق بانتشار الأسلحة النووية، فإن “مزيداً قد يكون أفضل” [كلما زاد عدد الدول النووية كان ذلك أفضل]، لأن جميع المنافسات الدولية ستستقر بصورة دائمة بفعل خطر الدمار المتبادل المؤكد. وربما يكون العالم على وشك اختبار هذه الفرضية. ونظراً إلى أن المرحلة الأكثر خطورة في عملية الانتشار النووي هي دائماً الفترة التي تكون فيها البلدان على وشك تجاوز العتبة النووية، فمن المرجح أن تتسم الأعوام المقبلة بأزمات نووية، ما لم تغير إدارة ترمب مسارها.Bottom of Form

ماذا عن ديغول؟

بدأ صناع السياسات الأميركيون في بناء نظام دولي قائم على القواعد خلال أربعينيات القرن الـ20، بعد ثلاثة عقود من الحرب والأزمات الاقتصادية. وكان الدرس الذي استخلصوه من النصف الأول من القرن الـ20 بسيطاً، وهو أن التصرف على أساس المصلحة الذاتية البحتة قصيرة الأجل دفع البلدان إلى تبني سياسات اقتصادية تنافسية مدمرة وسياسات أمنية تهدف إلى التهرب من المسؤولية، مما أدى بدوره إلى اضطرابات اقتصادية واجتماعية وصعود أنظمة استبدادية عدوانية، وفي النهاية إلى مجازر عالمية. على أمل تجنب تكرار هذا النمط، قررت واشنطن تبني نهج يقوم على مصلحة طويلة الأمد ومستبصرة، والتعامل مع السياسة الدولية بروح الفريق الواحد. وهذا يعني العمل مع حلفاء متشابهين في الفكر لبناء إطار مستقر وآمن يمكن فيه لجميع أعضاء الفريق النمو معاً دون خوف.

منذ البداية، اعتمد هذا النظام على القوة الأميركية الهائلة، المستخدمة لمصلحة الفريق ككل وليس لمصلحة الولايات المتحدة وحدها. لكن هذا لم يكن نابعاً من الإيثار الساذج [اللطف المثالي بعيداً من الأنانية] أو من الانتهازية الإمبريالية الجديدة، بل من إدراك أن الاقتصاد والأمن في العالم الحديث يجب التعامل معهما على مستوى يتجاوز الحدود الوطنية. فقد أدرك صناع السياسات الأميركيون أن الرأسمالية لعبة تحقق مكاسب لجميع الأطراف، إذ يمكن للاعبين أن ينموا معاً بدلاً من أن ينمو أحد منهم على حساب الآخر، وأن الأمن بين الأصدقاء يمكن أن يكون منفعة غير تنافسية. لذا، عوضاً عن استخدام قوتها المذهلة لاستغلال البلدان الأخرى، مثلما فعلت كل القوى المهيمنة السابقة، اختارت واشنطن تنشيط اقتصادات حلفائها ودعم دفاعاتهم، وخلق منطقة متنامية باستمرار من التعاون على النمط “اللوكي” [الذي يدور حول التعايش السلمي والتعاون القائم على الاحترام المتبادل والمنافع المشتركة، وفق نظرية الفيلسوف الإنجليزي جون لوك] داخل النظام الدولي “الهوبزي” الأوسع [الذي يعتمد بصورة أكبر على ديناميكيات القوة والحاجة إلى الأمن لتجنب الصراع، وفق فلسفة توماس هوبز].

وباعتبارها الأدوات المطلقة للحرب، شكلت الأسلحة النووية تحدياً فريداً من نوعه لهذا النظام. وبدا من المرجح أن البلدان التي تمتلكها ستتمتع بالاستقلال الاستراتيجي والقوة الإكراهية، في حين أن الدول التي لا تمتلكها قد تصبح عرضة للابتزاز. لذا، لم يكن من المستغرب أن تفكر دول متعددة في الحصول عليها، مثلما يحدث دائماً عندما تظهر تكنولوجيا عسكرية جديدة. ولكن جرى احتواء خطر الانتشار النووي الواسع النطاق عندما ظهر حل تقريبي للمشكلة في الخمسينيات والستينيات من القرن الـ20. فقد قررت الولايات المتحدة مواجهة أعدائها المسلحين نووياً من خلال الردع بينما تستخدم ترسانتها لحماية نفسها وحماية أصدقائها، مما يلغي الحاجة إلى امتلاكهم برامج نووية مستقلة. واتفقوا على هذه الترتيبات بصورة ثابتة من خلال “معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية” NPT عام 1970. فتمكن الأميركيون والسوفيات والبريطانيون والفرنسيون والصينيون من الاحتفاظ بترساناتهم مما أتاح استمرار الردع، في حين تخلى الموقعون الآخرون عن حقهم في الحصول على الأسلحة النووية. لقد كان الاتفاق منطقياً، وظل صامداً وسارياً إلى حد كبير منذ ذلك الحين، ولم تنضم إلى النادي النووي بعد ذلك إلا إسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية”.

إذا سقط النظام الليبرالي، فسيسقط معه نظام منع انتشار الأسلحة النووية

كثيراً ما كان التركيز الرئيس في المجال النووي على القوى العظمى، ثم على الدول المارقة مثل كوريا الشمالية (التي أصبحت تمتلك سلاحاً نووياً عام 2006)، والعراق (الذي سعى إلى امتلاك ترسانة نووية)، وإيران (التي باتت الآن على العتبة النووية). ولكن نظراً إلى المستجدات الأخيرة، بات من الضروري إيلاء مزيد من الاهتمام للحالتين البريطانية والفرنسية، اللتين لم تحظيا بالاهتمام الكافي في السابق. فالمملكة المتحدة بدأت أول برنامج للأسلحة النووية في العالم عام 1941، ودمجته مع مشروع مانهاتن بعد عامين. وعندما توقفت واشنطن عن التعاون بعد الحرب، قررت لندن الاستمرار بمفردها واختبرت بنجاح قنبلتها الأولى عام 1952. وخلال الوقت نفسه، بدأت فرنسا برنامجاً نووياً عسكرياً سرياً عام 1954 وأعلنت عنه عام 1958، واختبرت بنجاح سلاحها الأول عام 1960.

ولكن لماذا حصلت فرنسا على سلاح نووي على رغم أنها تحت المظلة النووية الأميركية؟ السبب أن الرئيس الفرنسي شارل ديغول لم يكن يثق في قدرة واشنطن على الوفاء بضماناتها الأمنية. فقد شعر بأن الردع الموسع كان مجرد خدعة، ولكي تكون باريس آمنة حقاً، لم يكن أمامها خيار سوى الحصول على قدرة نووية خاصة بها. وكما قال عام 1963 “تظل الأسلحة النووية الأميركية الضمانة الأساس للسلام العالمي… ولكن يبقى أن القوة النووية الأميركية لا تستجيب بالضرورة على الفور لجميع الاحتمالات المتعلقة بأوروبا وفرنسا. من ثم… [قررنا] تزويد أنفسنا بقوة نووية خاصة بنا”. وأطلق الفرنسيون على هذا النهج اسم “قوة الردع النووية” [القوة الضاربة force de frappe]. ولأجيال، سخر معظم المحللين غير الفرنسيين من هذا المنطق، ورأوا فيه تجسيداً لفخر فرنسي مفرط أو جنون ارتياب وليس تفكيراً استراتيجياً متزناً. ولكن بعد الأسابيع الأولى من إدارة ترمب الثانية، تبين أن هذا التفكير كان استبصاراً دقيقاً، وقليلون هم الذين يسخرون منه الآن.

إلى روسيا مع الحب

مع نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي، تغيرت الصورة النووية بصورة كبيرة. أصبح احتمال وقوع مواجهة بين القوى العظمى بعيداً، وصارت التهديدات الأكثر إلحاحاً تتعلق بانتشار المواد والخبرات النووية السوفياتية السابقة ووصولها إلى دول أخرى أو فاعلين غير حكوميين. وبات احتواء “الأسلحة النووية المتناثرة” المشكلة الأهم في ذلك الوقت، وجرى التعامل معه من خلال برامج مثل تلك التي أنشئت بموجب تشريع نان لوغار التعاوني للحد من التهديدات Nunn-Lugar Cooperative Threat Reduction Act عام 1991.

إحدى القضايا الشائكة خصوصاً تمثلت في بقايا الترسانة النووية السوفياتية المتمركزة في أوكرانيا التي كانت تحولت إلى دولة مستقلة حينذاك. فتعرضت كييف لضغوط من دول أخرى لإعادة كل تلك البقايا إلى موسكو، مقابل وعود بأنها لن تتضرر نتيجة لذلك. وبما أنها لم تكن تملك قدرة كبيرة على المقاومة وافقت كييف، وأضيف الطابع الرسمي على هذه الخطوة في مذكرة بودابست لعام 1994، وانضمت بيلاروس وكازاخستان وأوكرانيا إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية مقابل الحصول على ضمانات بالحماية من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وروسيا.

في ذلك الوقت، جادل بعض بأن هذا كان خطأ. وعلى سبيل المثال كتب عالم السياسة جون ميرشايمر في مقال نشرته مجلة “فورين أفيرز” عام 1993 أن أوكرانيا ستحتاج في النهاية إلى مواجهة النزعة الانتقامية الروسية، وأن الاحتفاظ بقدرة نووية كان الطريقة الأقل إشكالية للقيام بذلك. وأشار إلى أن “أوكرانيا لا تستطيع الدفاع عن نفسها ضد روسيا المسلحة نووياً بالأسلحة التقليدية، ولن تقدم لها أية دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة ضمانة أمنية حقيقية. الأسلحة النووية الأوكرانية هي الرادع الوحيد الموثوق ضد العدوان الروسي”. لكن المخاوف من انتشار الأسلحة النووية طغت على المخاوف من الحروب المستقبلية، فوجدت أوكرانيا نفسها بعد تفكك الاتحاد السوفياتي دولة بجيش تقليدي بحت.

لمدة عقدين من الزمن لم يشكل هذا الأمر مشكلة كبيرة، ثم في عام 2014 وبسبب استياء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من ميل أوكرانيا المتزايد نحو الغرب، قرر أن يلقن كييف درساً فحرض الحركات الانفصالية في المقاطعات الجنوبية والجنوبية الشرقية من أوكرانيا ذات الغالبية الناطقة بالروسية، ثم أرسل قوات روسية لـ”مساعدتها” فاستولى بسرعة على شبه جزيرة القرم وأجزاء من دونباس. واستمر الصراع المنخفض الحدة والمفاوضات غير الحاسمة لأعوام بعد ذلك، إلى أن أطلق بوتين عام 2022 غزواً واسع النطاق يهدف إلى احتلال بقية البلاد، بنية إعادة ضمها إلى روسيا أو تحويلها إلى مستعمرة تديرها حكومة دمية تتلقى أوامرها من موسكو.

2.jpg

بث إخباري عن إجراء كوريا الشمالية اختباراً لإطلاق صاروخ باليستي، سيول، كوريا الجنوبية، يناير (كانون الثاني) 2025 (رويترز)

ونظراً إلى لتفاوت في الحجم والقوة بين الطرفين المتحاربين لم يتوقع كثر أن تتمكن أوكرانيا من مقاومة الهجوم الروسي، لكنها فعلت، وبمجرد أن أصبح من الواضح أن كييف لن تسقط بسرعة تحركت الولايات المتحدة وأوروبا لدعمها بكميات متزايدة من المساعدات العسكرية والاقتصادية. ومع مرور الشهور والأعوام، تحول الصراع من حرب مناورة [تقدم روسي سريع وهجمات مضادة أوكرانية] إلى حرب مواقع واستنزاف [أصبح كلا الجانبين محصورين في مواقع محصنة، ويقاتلان على خطوط أمامية ثابتة نسبياً]، وواصلت روسيا السيطرة على القرم ومعظم دونباس، بينما تمسكت أوكرانيا بجزء صغير من الأراضي الروسية قرب كورسك. وظلت إدارة بايدن وحلفاؤها الأوروبيون ملتزمين بإبقاء كييف في القتال، بيد أن استعداد بوتين لتسخير كل موارد بلاده الهائلة في الصراع منحه تفوقاً طفيفاً مع مرور الوقت.

ثم عاد ترمب إلى البيت الأبيض. وأثناء حملته الانتخابية، أعلن عن نيته إنهاء الحرب خلال يوم واحد، من دون تقديم تفاصيل كثيرة عن الطريقة التي سيستعملها لتحقيق ذلك. ومنذ توليه المنصب، بدأت ملامح خطط إدارته تتضح، ويبدو أنها ترتكز ببساطة على إجبار أوكرانيا على قبول مطالب روسيا بالتنازل عن الأراضي، وإضعاف قدراتها العسكرية وتغيير حكومتها وإعادة توجيه سياساتها نحو الشرق. ومن الصعب تحديد مدى ميل إدارة ترمب نحو موسكو، سواء بسبب حال الارتباك المحيطة بما يبدو وكأنه تحول جذري في السياسة الخارجية الأميركية، أو بسبب التناقضات في رسائل إدارته. ولكن خلال الأسابيع الأخيرة، تغيرت الأمور بما يكفي ليصبح واضحاً أن الوعود الأميركية السابقة بتقديم الدعم لأوكرانيا وغيرها، لم تعد موثوقة بالكامل.

وكما حدث مع ديغول، ثبت أن ميرشايمر كان محقاً. وكان الردع الممتد مجرد وهم، ومن اعتمدوا عليه كانوا مخدوعين. وهذا يثير سؤالاً مهماً لعدد من الدول المهددة، لماذا لا تسلك المسار الفرنسي وتؤمن نفسها عبر تطوير قوتها النووية الخاصة؟

من التالي؟

الآن وقد أصبحت الولايات المتحدة حليفاً غير موثوق به، يمكن للدول الساعية إلى الحماية أن تلجأ إلى ردع موسع تقدمه جهة مختلفة. على سبيل المثال، قال المستشار الألماني المقبل فريدريش ميرتس إنه “سيتحدث مع البريطانيين والفرنسيين حول إمكانية توسيع مظلتهم النووية لتشمل ألمانيا أيضاً”، وقد تحذو دول أخرى في “ناتو” حذوه. ومن يذكر أن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منفتحان على الفكرة، وقد يظهر قريباً ردع أوروبي حقيقي.

في الواقع، سيكون هذا تطوراً مفيداً يساعد في استقرار الأمن الأوروبي في عالم ما بعد الهيمنة الأميركية. لكن خيانة واشنطن لوعدها قد تلقي بظلال من الشك على جميع ترتيبات الردع الموسع في المستقبل، مما يجعلها تبدو موقتة وقابلة للإلغاء بدلاً من أن تكون موثوقة وثابتة. ففي الماضي، لم تكن لندن تثق في واشنطن لحمايتها، ولم تكن باريس تثق في أي من واشنطن ولندن. إذاً، لماذا يجب على الدول الأخرى أن تثق في لندن وباريس الآن؟ فكما يقول المثل “إن خدعتني مرة عار عليك، وإن خدعتني مرتين فعار علي”.

لذلك، قد تقرر بعض الدول السعي إلى امتلاك أسلحتها النووية الخاصة، من أجل ضمان أمنها. ولكن مع كل القيود الموجودة حالياً لمنع مثل هذه الخطوة لن يكون هذا المسار سهلاً. فهو قد يستلزم تطوير خبرات نووية جادة وتوفير كميات كبيرة من المواد الانشطارية، وبناء القدرة على تصنيع الأسلحة المتطورة. سيستغرق الأمر أعواماً عدة من الجهود المتواصلة، وستصل كلفته إلى عشرات المليارات من الدولارات، لكنه بالتأكيد ممكن.

لقد بدأت إسرائيل برنامجها للأسلحة النووية خلال الخمسينيات من القرن الـ20، وتلقت مساعدة كبيرة من الفرنسيين. ويعتقد أن الإسرائيليين طوروا قنبلتهم الأولى بحلول أواخر الستينيات، وأضافوا بضع مئات أخرى خلال العقود اللاحقة. أما باكستان، فبعد أن شاهدت عدوها اللدود الهند وهي تتحول إلى دولة نووية، بدأت تطور برنامجها النووي السري خلال السبعينيات. وبعد الحصول على مساعدة كبيرة من الصين وكوريا الشمالية، نجحت إسلام آباد في اختبار سلاح نووي عام 1998.

إذا أصبحت كوريا الجنوبية دولة نووية، فمن المرجح أن تحذو طوكيو حذوها

أما اليابان، فقد سلكت مساراً مختلفاً، فطورت قدرة نووية كامنة بدلاً من برنامج نووي كامل [من دون تطوير سلاح فعلي]، أي إنها اعتمدت نهج “القنبلة في القبو” التي يمكن تجميعها وتحويلها بسرعة إلى سلاح إذا دعت الحاجة. ومنذ ستينيات القرن الـ20، تعهدت طوكيو بعدم امتلاك الأسلحة النووية وعدم إنتاجها، وعدم السماح بوجودها على الأراضي اليابانية. لكنها في المقابل طورت برنامجاً متقدماً للطاقة النووية المدنية، وخزنت كميات كبيرة من البلوتونيوم المنفصل، وأنشأت صناعة دفاعية محلية مثيرة للإعجاب. ويمكن لأية حكومة يابانية أن تتخذ الخطوات النهائية نحو التسلح النووي في غضون أشهر، إذا كانت مستعدة لتقبل الجدل الذي سينجم عن ذلك محلياً ودولياً.

إذاً، من قد يكون التالي في امتلاك سلاح نووي؟ أبرز مرشحين هما أوكرانيا وتايوان، الدولتان المهددتان بوضوح من جيران أقوياء مسلحين نووياً (بالاسترجاع، حاولت تايوان التحول إلى دولة نووية مرتين خلال السبعينيات والثمانينيات، لكن الولايات المتحدة اكتشفت الأمر وأوقفتها في كل مرة). ولكن بمجرد أن تبدأ مثل هذه الجهود، قد يشن هؤلاء الجيران هجوماً قبل اكتمالها. وهكذا، قد تفضي محاولة تحقيق الأمن إلى حرب وقائية تجر البلاد نحو الدمار بسهولة. وقد تواجه إيران أخطاراً مماثلة إذا تحركت لتجاوز العتبة النهائية نحو التسلح، مما قد يؤدي إلى هجوم أميركي أو إسرائيلي قبل أن تتمكن من التأكد من مدى فعالية قوتها الرادعة.

إذا استمر النظام العالمي في الانهيار، فمن المحتمل أن تصبح كوريا الجنوبية أول قوة نووية جديدة في موجة الانتشار هذه. لقد انضمت كوريا الجنوبية إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية عام 1975، ولكن يمكنها أن تنسحب متى تشاء وقد تستنتج أنها في حاجة إلى قدرة نووية مستقلة لمواجهة التهديد من كوريا الشمالية. وبدأ المسؤولون الكوريون الجنوبيون بالفعل في الحديث عن هذا الاحتمال، ومن المؤكد أن مثل هذه المناقشات ستتصاعد إذا اتخذت الولايات المتحدة أية خطوات نحو فك ارتباطها الأمني بالمنطقة. وإذا أصبحت كوريا الجنوبية دولة نووية، فمن المرجح أن تحذو طوكيو حذوها. وفي النهاية، قد تنضم أستراليا إليهما بعد أن تستأنف برنامج الأسلحة النووية الذي تخلت عنه خلال السبعينيات.

في أوروبا، بدأ بعض الجنرالات البولنديين يفكرون علناً في عدم الاعتماد على المظلة النووية الفرنسية والبريطانية والسعي عوضاً عن ذلك إلى امتلاك قوة نووية خاصة بهم. وفي خطاب ألقاه رئيس الوزراء دونالد توسك خلال السابع من مارس (آذار) الجاري أمام البرلمان البولندي بدا مؤيداً للفكرة، إذ قال إن بولندا “يجب أن تسعى إلى تحقيق أحدث الإمكانات، بما في ذلك في موضوع الأسلحة النووية والأسلحة غير التقليدية الحديثة. وأضاف “لا يكفي شراء الأسلحة التقليدية الأكثر استخداماً”. وفي الوقت نفسه، من المؤكد أن مسؤولي دول الشمال الأوروبي ودول البلطيق كانت تجري مناقشات حول التسلح النووي سراً (كانت السويد تمتلك برنامجاً نووياً مستقلاً حتى السبعينيات).

لا شيء من هذا مؤكد، وبخاصة أن لا أحد يعرف حتى الآن ما إذا كانت إدارة ترمب ستذهب إلى حد التخلي عن التحالفات التي بنتها الإدارات السابقة على مدى أجيال. ولكن إذا فعلت ذلك، فينبغي ألا يتفاجأ أحد إذا أعاد الحلفاء السابقون النظر في بعض الخيارات التي اتخذوها بناءً على افتراض استمرار الحماية الأميركية. ولا يزال من السابق لأوانه التنبؤ كيف ستتبلور ملامح هذا العالم الجديد وغير المألوف، لكن الحواجز النفسية التي حالت دون انتشار الأسلحة النووية لفترة طويلة ربما تكون سقطت بالفعل.

مترجم عن “فورين أفيرز” 8 مارس (آذار) 2025

جدعون روز هو زميل في مؤسسة أكسل شبرنغر في الأكاديمية الأميركية في برلين وزميل بارز غير مقيم في “مجلس العلاقات الخارجية”.