حال دهشة تجتاح العالم نتيجة تصريحات ترمب في سيمفونية خبيثة مع قادة إسرائيل
مصطفى الفقي كاتب وباحث
حان الوقت لكي يسود العقل وتسيطر الحكمة ويتدخل العقلاء في كل جانب لحسم ما يمكن أن ندافع عنه من قيم ومبادئ وأفكار، شرط أن يكون الحوار متبادلاً والمبادرات مشتركة لتتمكن من الوصول في النهاية إلى حلول وسطية تحقق الحد الأدنى من مطالب كل طرف، وتسمح بالتعايش المشترك وتنتزع فتيل الكراهية ما أمكن.
إن الذي يرقب ما يجري حالياً على المستويين الدولي والإقليمي لا بد من أن يدرك أن شيئاً ما قد طرأ على العقل البشري، إذ تداخلت فيه التكنولوجيا الحديثة وتزايدت وتيرة العنف على مختلف الصعد، فردية وجماعية، ليصبح الأمر مثيراً للقلق ودافعاً للتوتر ومبرراً للخوف.
ما أريد أن أقوله في السطور التالية أن أسجل حال الدهشة التي تجتاح العالم نتيجة تصريحات رئيس أكبر دولة اقتصادياً وعسكرياً، وأعني الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في سيمفونية خبيثة مع قادة إسرائيل التي يقودها رئيس وزراء لا يؤمن بشيء إلا العنف ولا يعترف إلا بمنطق القوة، وليس لديه هو ورفاقه ولا المتعاطفين معه حد أدنى من القيم الإنسانية والفضائل الأخلاقية، بعد 15 شهراً أو ما يزيد على العدوان المكثف على الشعب الفلسطيني في غزة والشعب اللبناني في الجنوب، وغيرها من المناطق التي تأثرت بتلك المجازر الدامية القائمة على مبدأ العقاب الجماعي والتهجير القسري، وباقي مظاهر الدمار التي حطمت القيم المتعارف عليها وأطاحت بديمقراطية العلاقات الدولية التي كافحت من أجلها الشعوب وناضلت سعياً إليها الأمم، واندفع الساسة والزعماء وقادة الرأي العالمي عبر العقود الأخيرة لتأكيدها والعمل عليها، فهل يتصور أحد أن الولايات المتحدة الأميركية التي يقودها الآن رئيس أميركي متهور هو ترمب، هي نفسها الولايات المتحدة الأميركية التي قدمت الرئيس ويلسون في أعقاب الحرب العالمية الأولى بمبادئه الشهيرة التي كانت تنحاز لمفهوم العالم الحر والفكر السياسي المستنير؟
لقد عشنا عقوداً عدة متصورين أن الولايات المتحدة الأميركية داعم حقيقي لحقوق الإنسان ومساند لمفهوم الحرية وحارسة للديمقراطية المعاصرة، لكن تصرفات إدارتها خلال الفترة الأخيرة توحي بغير المتوقع، خصوصاً أن العالم قد غفر لها ما جرى في كوريا وفيتنام من قبل، بل وأفغانستان والعراق أيضاً، على اعتبار أن القوى العظمى غالباً ما يكون لها أخطاء عظمى أيضاً، مدركين أن العالم المعاصر أصبح شديد التعقيد وتتداخل فيه عوامل متباينة بعضها إيجابي ولكن معظمها سلبي، إذ إن ندرة الموارد في المياه والطاقة إضافة إلى تغيرات المناخ والتزايد الهائل لسكان هذا الكوكب قد أدت كلها إلى ضغوط خارجية وداخلية وصراعات إقليمية ودولية لم تكن في الحسبان، ففي عصر التقدم التكنولوجي والدخول لعالم الذكاء الاصطناعي وبعد النجاح في غزو الكواكب الأخرى لا نزال نشعر بأن الطريق طويل وأن الوصول إلى نقطة التوازن لا يبدو قريباً.
ولا يجب أن ندرس تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب وآثارها التي تعيد البشرية عقوداً للوراء، ولا أقول قروناً، فحتى في عصور السلام الروماني لم نشهد ذلك التفاوت الكبير الذي نشهده الآن، وبخاصة أن التكنولوجيا الحديثة والتضخم الواضح في آليات التسليح جعلا الدمار أشد عنفاً وضراوة من كل ما مضى، ويكفي أن نتأمل ما أصاب إقليم غزة من دمار أدى إلى تسوية البنايات العالية بالأرض، وأصبح الموقف بحق تعبيراً أليماً عن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وتحكم جبروت القوة في حقوق الشعوب ومصائر المجتمعات.
أنا أدعو صراحة الآن إلى وقفة إنسانية عاقلة للمجتمع الدولي المعاصر وقادة الرأي فيه من مفكرين وعلماء وساسة، كي يدرك الجميع أننا نمر بمرحلة مفصلية تؤكد كل مظاهرها أن العالم يتغير بسرعة وأن الضمير الإنساني يتوارى بشدة، وأن منطق القوة هو الذي يحكم وأن العدالة قد غابت، فما أكثر المظلومين والمقهورين وأصحاب الحق الضائع في عالمنا المتشابك الذي تشير كل الدلائل إلى وجود معدل سريع في تدهور القيم لديه، وتزايد عمق خطاب الكراهية بين الدول والشعوب والمجتمعات، ولعلي أطرح هنا ثلاثة تصورات ذات علاقة بما نتحدث عنه.
أولاً، إن العقل البشري القادر على الاختراع والإبداع لن يقبل بتدمير مظاهر الحضارة وتشويه عناصر التقدم بحرب عالمية تبدو نذرها في الأفق أحياناً، ويلح الهاجس المرتبط بها في أحيان أخرى، فلا المنظمات الدولية العالمية ولا الوكالات المتخصصة ولا المؤسسات الإقليمية استطاعت كلها أن توقف المعدل المتزايد للعنف على الصعيدين العالمي والمحلي، بل إننا لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا إن ذلك الذي يحدث يهدد البناء الحضاري للبشرية وينال من صدقية التقدم التكنولوجي والتطور البشري، بل يضيف إلى كل ذلك نظرة عبثية تزداد دهشة يوماً بعد يوم، وكأننا في محيط آسن تلتهم فيه الأسماك الكبيرة الأسماك الصغيرة، أو في غابة موحشة تفتك فيها الوحوش بكل ما تراه طعاماً سائغاً أو صيداً ثميناً أمامها.
ثانياً، إن تضحيات الشعوب وكفاح الأمم لا يضيعان هباء أبداً، ولكنهما يبقيان في أركان الذاكرة الإنسانية ليدفعا إلى المراجعة الأمينة ويطفوا على السطح كلما طرأت حادثة مأسوية في جسد الإنسانية المثخن بالجراح، بعدما تلقى كثيراً من الطعنات التي لم تكن في الحسبان، ولذلك فإن سياسة الكيل بمكيالين وازدواج المعايير تبدوان اليوم أكثر وضوحاً وأشد ظهوراً من أي وقت مضى، فالعقل البشري الذي قطع أشواطاً ضخمة يكاد يضحي اليوم بكل ما حققته البشرية خدمة لأهواء الأقوياء جسداً والأضعف ضميراً، ولذلك فإننا لا نتوقف عن النداء بأعلى الصوت أن علينا أن ننقذ البشرية اليوم وليس غداً، فلا مناص من تلك المواجهة الحاسمة لكل ما يجري خصوصاً خلال الأعوام الأخيرة بل وربما في الأشهر الأخيرة تحديداً، فنحن نعلي مكانة الكفاح المسلح الذي يرتبط بالتفاوض العادل ولكننا لا نقبل أبداً سياسية التعميم والرفض القاطع والاجتراء على من يدفعون ثمناً غالياً في معاناة بشرية غير مسبوقة.
لقد حان الوقت كي يسود العقل وتسيطر الحكمة ويتدخل العقلاء في كل جانب لحسم ما يمكن أن ندافع عنه من قيم ومبادئ وأفكار، شرط أن يكون الحوار متبادلاً والمبادرات مشتركة لتتمكن من الوصول في النهاية إلى حلول وسطية تحقق الحد الأدنى من مطالب كل طرف، وتسمح بالتعايش المشترك وتنتزع فتيل الكراهية ما أمكن.
ثالثاً، إننا نعول كثيراً على المستقبل بما فيه وما عليه كي نرى العالم مختلفاً والعلاقات الدولية أكثر ديمقراطية، حيث تتساوى حقوق الشعوب وتلتقي كل الأجناس بلا تمييز أو تفرقة ومن دون عنصرية أو عدوان، وهي ليست كلمات في الهواء ولكنها تعبير أمين وصادق عما يجب أن تمضي عليه العلاقة بين أصحاب الثقافات المختلفة والحضارات المتعددة والديانات التي تضع دوائر مقدسة حول معتقداتها بكل توازن وعدالة، لأنه لا يصح في النهاية إلا الصحيح ولا يبقى إلا الفكر الصادق والرأي الحكيم الذي يستند إلى تراث بشري طويل وحقائق عصرية عميقة، فنحن نعيش في زمن تتضارب فيه المصالح وتتباين الرؤى وتختلف المقاصد، ولن يتحقق لنا ما نريد إلا بالاستخدام الأمثل للتكنولوجيا المتقدمة والربط بين الفكر المستنير والعقل الرشيد، حتى يعيش الجميع على النحو الذي يريدون وفقاً للطريق الذي يشاؤون، إذ إننا نرى أن العنصرية والتعصب والكراهية والاستبعاد، وكلها مظاهر مرفوضة، في عصرنا الذي يأتي كل يوم بجديد، وعلى رغم ذلك يتميز بالسلبية والتناقض وقصر النظر وضعف البصيرة، إننا نريد عالماً تسوده قيم جديدة ويتخلى فيه كل طرف عن بعض أطروحاته بما لا يمس الثوابت، ولكنه يبشر بعالم مختلف ومجتمع راق.
هذه قراءة في ما نرى أنه طوق أخير للنجاة ومحاولة للخلاص من التشابك القائم بين معطيات الحياة السياسية المعاصرة باختلافاتها وتداخل عناصرها، إذ إننا نريد أن ينتقل العالم من كوارث الحروب والنزاعات المسلحة إلى أجواء التفاهم والأمن والسلم الدوليين.
المقالة تعبر عن راي كاتبها
اندبندنت عربية