جدل الحريات في الوطن العربي


نحن إزاء تغيرات ضخمة في عالم اليوم تلزمنا أن نكون قادرين على الإصلاح

مصطفى الفقي كاتب وباحث 

إن مَن يستقرئ التاريخ العربي – قديمه وحديثه – سيكتشف من سياق الأحداث وطبيعة الزعامات ونوعية الحكم أن الحرية قضية مفصلية في كل وقت. وإذا كان العربي هو حامل تراث ثقيل من حرية الكلمة شعراً ونثراً، مدحاً وهجاءً، فإننا نكتشف أن الأصل في تكوين العربي هو الإحساس بالحرية والدفاع عنها. ونقصد هنا تلك الحرية المسؤولة التي لا تتجاوز حدود المصلحة الوطنية العليا، ولا تسعى إلى الشهرة بمنطق “خالف تُعرف”، ولا تتعارض مع حقوق الغير ولا تسيء إلى الآخر. فالحرية ذات مفهوم واضح ومحدد درجت عليه البشرية منذ لحظة الميلاد. وصدق من قال “هل رأينا مولوداً يأتي إلى الحياة مكبّل اليدين؟”. لقد خلق الإنسان حراً ويعيش حراً ويموت حراً، تلك قضايا محسومة يستحيل التشكيك فيها. ولكن ما يعنينا هو كيفية توظيف هذا الحق البارز من بين حقوق الإنسان في ضوء الظروف القائمة في عالمنا المعاصر، مع تطبيق على الخصوصية العربية، وما يجري فيها. لذلك، فإننا نطرح المحاور التالية في شأن جدل الحريات في دول الوطن العربي وموقف الشعوب منها:

أولاً: لقد لفظ العالم العربي الديكتاتوريات في العقد الأخير، باختفاء صدام حسين ومعمر القذافي، فضلاً عن سقوط الحكم الفردي في كل من تونس ومصر. وبذلك، تغيرت الخريطة السياسية في المنطقة بكل ما كان عليها ولها أيضاً. وسوف تظل أحداث “الربيع العربي” موضع خلاف ومثار جدل، وإن كنّا نعترف بأنها فتحت للحرية باباً لم يكن متاحاً من قبل. ولكن الملابسات التي أحاطت بها جعلتنا ندرك أن الأمر لا يبدو قاطعاً. فأنا ممن يظنون أن أحداث ذلك الربيع المزعوم هي جزء من مخطط استراتيجي للمنطقة استثمرت فيه القوى الكبرى أحوال بعض الأقطار العربية وما شاع فيها من فساد وإهمال وضعف، كما استغلت معاناة بعض الشعوب وشيوع البطالة لكي تحوّل ذلك ليكون ضمن إطار منظومة واحدة دعت من خلالها إلى رفع شعارات التغيير. ولا بأس في ذلك. فقد انتهى العمر الافتراضي لتلك النظم، إما نتيجة المزايدة الثورية ورفع شعارات تجاوزتها الأحداث أو نتيجة ترهل بعضها الآخر وانتهاء أعمارها الافتراضية.

ثانياً: لقد شاع خلط استقر في الذاكرة العربية بين الاستقلال السياسي في جانب ومنظومة الحريات في جانب آخر. فتاهت القيم وغابت الرؤى، وأصبحنا أمام مشاهد لا تدعو إلى الارتياح، خصوصاً أن الحرية وحدها لا تكفي، إذ لا بد من أن تقترن ببرنامج إصلاحي تتحقق فيه الحرية الاقتصادية التي تراعي في الوقت ذاته الطبقات الأكثر عدداً والأشد فقراً، فضلاً عن أنها تفتح الأبواب واسعة أمام التحول الاجتماعي المنشود الذي يتواكب مع روح العصر وآليات التكنولوجيا الحديثة. فنحن إزاء تغيرات ضخمة في عالم اليوم، تُلزمنا أن نكون قادرين على الإصلاح بالتغيير والتقدم نحو الرؤية التي مضت عليها الدول المتقدمة واتجهت نحوها الأمم الصاعدة على الدوام، إذ ليس سراً أن إسهام العرب في حضارة العصر محدود للغاية، وأن جزءاً كبيراً من ثرواتنا يستخدمه غير العرب في غير مصلحتنا. لذلك، يكون من المتعيّن علينا القيام بعملية ترشيد عقلي وفكري دائمة. فالعقل هو سيد الموقف، إذ إن النهضة قرار عقلي كما أن التخلف ركود فكري.

ثالثاً: لقد آن الأوان لضرورة فك الاشتباك بين السياسة والدين، خصوصاً أننا نعيش في ظل تراث كبير وركام ضخم. فبلادنا هي مهبط الرسالات السماوية والبقعة التي التفت حولها الديانات والحضارات. ومن الطبيعي أن ندرك أن الدين متجذر في أعماقنا. وذلك أمر محمود. ولكن المشكلة الحقيقية تأتي من تداخل ذلك الدين مع الحياة السياسية بحيث يجري استغلاله لخدمة أغراضٍ معينة تسعى إليها جماعات بذاتها، تريد أن تفرض علينا نمطاً مختلفاً في الحياة باسم الدين، والدين منها براء. لذلك، فإن جدل الحرية لا بد من أن يرتبط بالاعتدال الديني والوسطية في فهم رسالات السماء من دون شطط أو مغالاة بحيث يصبح صحيح الدين المتسق مع مقاصد الشريعة هو المفهوم السائد للقيم الروحية في حياتنا. ولعلي أظن – وليس كل الظن إثماً – أن محاولة خلط الدين بالسياسية في العالم الإسلامي قد أضرت بالدين في الدرجة الأولى. فهو كالماء النقي طهارةً وصفاءً. أما السياسة، فهي كالزيت لزوجةً وتلوثاً بحيث تصبح النتيجة تشويه الوجه الراقي للدين في مواجهة المتربصين به والحاقدين على أتباعه! مع افتراض وجود حقيقة التعارض الظاهري بين القيم الدينية والألاعيب السياسية التي تلجأ إلى المناورة والتسويف والتقديم والتأخير. فالسياسة لا تعرف الأخلاق بينما الدين هو وعاء القيم الروحية ومصدر الإيمان الذي يدفعنا إلى ما هو أفضل.

ابعاً: إن جدل الحرية في بلادنا يتقاطع أحياناً مع الدين، وأحياناً أخرى مع نظم الحكم، ويتقاطع مرة ثالثة مع منظومة القيم المتوارثة عبر العصور. لذلك، فإن للحرية ثمنها الذي تدفعه الشعوب وتسعى إليه الأمم. من هنا، تبدأ المعادلة الصعبة في التوفيق بين الحريات من جانب والمشاعر الدينية في جانب ثانٍ، ونظم الحكم على صعيد آخر. وتكمن المعضلة عندما نضيف إلى ذلك تأثير التفاوت الطبقي وتأثير الوضع الاقتصادي في القضية برمّتها. وقديماً قالوا إن حرية تذكرة الانتخاب ترتبط بحرية رغيف الخبز. فالحرية بمدلولها السياسي هي نتاج طبيعي لمفهومها الاقتصادي. وقد يتحدث البعض عن نوعية من الديكتاتوريات التي قفزت معها الشعوب إلى الأمام في محاولة لإلغاء الارتباط الطردي بين الحرية والإقلاع نحو الآفاق التي تسعى إليها الشعوب.

خامساً: إن قضية الحرية نسبية بطبيعتها. فالحرية المطلقة هي أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع. والعوائق المتصلة بمسيرتها ترتبط بقضايا أخرى، مثل التعليم والإعلام ودور المؤسسة الدينية. لذلك، فإن الحريات تتحرك على جبهة عريضة، تتضافر فيها مقومات المجتمع وتراث الشعب وتقاليده وأعرافه بحيث يكون ما هو مقبول في بلد بذاته في زمن معين غير مقبول في بلد آخر وفي وقت مختلف. ذلك أن الحرية هي رأس الحربة في قضايا حقوق الإنسان. ومن الطبيعي أن تكون لها النسبية ذاتها التي تتصف بها حقوق الإنسان في مواثيقها المختلفة. وذلك لا يعني أن هناك تفاوتاً كبيراً في هذا الأمر، إذ إن لدى حرية التفكير والتعبير وإبداء الرأي عناصر مشتركة، إضافة إلى الحريات الأخرى، مثل حرية المسكن وحرية التنقل، فضلاً عن الحريات الشخصية التي تنتهي حدودها عند حرية الآخرين. وهنا، لا بد من الإشارة إلى ما يمكن تسمتيه “ثقافة الحرية”. فهي نمط ثقافي يرتبط بنوعية التعليم والخبرات المتراكمة لدى كل فرد. وقديماً قيل “ما أكثر الجرائم التي تُرتكب باسمك أيتها الحرية”! ولأن الثقافة سلوك بشري وتواتر اجتماعي، فإنها تشكل عاملاً مهماً في إدراك معنى الحرية وفهم طبيعتها وفقاً لكل عصر وفي ظل ظروفه القائمة.

قصدنا بإثارة موضوع جدل الحريات في الوطن العربي أن نقرع الأجراس حتى يتنبه الجميع إلى صيغة مشتركة ومفهوم واحد لمعنى الحرية الملتزمة بقضايا أوطانها الساعية إلى تحقيق الأهداف والغايات التي تعمل من أجلها الجماعات البشرية المعاصرة في عالم اليوم. وسوف ندرك أننا نمر بمرحلة مفصلية يصعب تجاهلها لأن عامل الزمن يرتبط بالحركة السياسية والاجتماعية ارتباطاً دائماً. والعالم يموج حالياً بتيارات متضاربة ويواجه محنة الوباء التي قد يكون من نتائجها تعطيل بعض الحريات مؤقتاً من أجل المصلحة العامة. وهنا، نؤكد من جديد أن الحرية لا تهيم في المطلق، ولكنها منسوبة إلى ظروف الزمان والمكان، إضافة إلى العوامل الأخرى كالتعليم والثقافة وغيرها من مظاهر التطور في عالمنا المعاصر.

اندبندنت