الزراعة في الضفة الغربية ضحية “استباق الموسم” بالمنتج الإسرائيلي


هناك غياب للمعايير الفنية الإلزامية لكل ما يباع في فلسطين مع ضعف الإجراءات القانونية

رغدة عتمه صحافية 

كصبيحة كل يوم، يخرج بلال صالح (35 سنة) حاملاً صندوق المعدات ليتفقد كرم العنب في أرضه في قرية الخضر (جنوب الضفة الغربية). فموسم العنب الأكثر شهرة في فلسطين بات على الأبواب والعائلة متشوقة لموعد القطاف لما يحمله من بهجة وسعادة وأهازيج (أغان تراثية)، مثل موسم الزيتون. دقائق معدودة من الفرح سرعان ما تبددت، فمستوطنو “سيدي بوعز” غرب بلدة الخضر سبقوا صالح إلى أرضه وأتلفوا 450 دالية عنب، عبر رشها بمبيدات كيماوية سامة، قضت على حلمه بموسم وفير هذا العام.

يقول صالح “ليست المرة الأولى التي يقصد المستوطنون التنغيص علينا خلال هذا الموسم، فإلى جانب الزيتون يقهرهم تجمع الفلسطينيين بالآلاف لقطف العنب، فهم يسعون إلى طردنا من أرضنا والضغط علينا لترك هذه الزراعة التي نتوارثها جيلاَ بعد جيل. من الجيد أنني اكتشفت ما حصل قبل البيع، فالمبيدات التي رُشت على العنب كانت كفيلة بأن تسمم الناس وتقتلهم”.

إغراق السوق

64 مليون متر في الضفة الغربية وقطاع غزة مزروعة بالعنب، يعمل فيها نحو 10 آلاف مزارع فلسطيني، تصل إنتاجيتها بحسب جمعية مزارعي العنب والفواكه الفلسطينية إلى قرابة 50 مليون كيلو من العنب سنوياً، بينها 27 مليون كيلو تنتجه محافظة الخليل، و6 ملايين كيلو من محافظة بيت لحم، ومثلها من محافظة جنين (شمال الضفة الغربية). وتشكل هذه الزراعة ما نسبته 12 في المئة من المحصول النهائي للزراعة في فلسطين، إلا أن معاناة العنب الفلسطيني ومزارعيه تتمثل في إغراق إسرائيل الأسواق الفلسطينية بالعنب الإسرائيلي.

يلفت فتحي أبو عياش، مدير الجمعية، إلى أن “عنب فلسطين بات قبيل قطافه في اغسطس (آب) مهدداً من منافسه العنب الإسرائيلي الذي يزرع معظمه في المستوطنات، حيث تغرق الأسواق الفلسطينية بآلاف الأطنان من العنب الإسرائيلي اللافت للأنظار، نظراً لاستخدام أسمدة ومواد كيماوية في زراعته بينما يُحرم الفلسطينيون من استخدامها. فهذه المواد تعمل على إطالة عمر العنب وتحسين طعمه وجودته، إذ تحاول تل أبيب ضرب المنتج الزراعي الفلسطيني وعلى رأسه العنب، من أجل إجبار المزارعين الفلسطينيين على ترك أراضيهم وعدم زراعتها عبر سياسة “استباق الموسم”. فالمعدات الزراعية المتطورة، والمواد الكيماوية وطرق الري والزراعة الحديثة، تساعد المزارعين الإسرائيليين على طرح منتجاتهم من العنب قبلنا بشهر تقريباً، كما أن منهج التهريب الذي يعتمده بعض التجار الفلسطينيين والسماسرة يتسبب بضرب الموسم كل عام وحدوث فائض في الأسواق. ففي العام الماضي، بيع 10 كيلو من العنب الفلسطيني بستة دولارات، بينما بيع الكيلو الواحد من العنب الإسرائيلي الذي استبق الموسم بالسعر نفسه. ما يعني أن على المزارع الفلسطيني بيع العنب بخسارة كبيرة وسط منافسة العنب الإسرائيلي. هذا المشهد يتكرر كل عام، لأن الإجراءات الحكومية لمواجهة هذه المشكلة غير كافية وغير مطبقة على أرض الواقع”.

غرامة وحبس

منذ سنوات، منعت السلطة الفلسطينية استيراد العنب من المستوطنات، وجرمت كل من يتعامل مع بضائعها، إضافة إلى أنها أصدرت قرارات إدارية لمنع العنب الآتي من إسرائيل لحماية المنتج الفلسطيني. مع ذلك، يؤكد مختصون فلسطينيون في المجال الزراعي أن السوق الفلسطينية غارقة بشكل مريب بمنتجات إسرائيلية محظورة من المستوطنات، بل تحمل تلك البضائع العلامات التجارية الإسرائيلية أمام عيون المراقبين والمفتشين والمستهلكين من دون اكتراث.

يقول وكيل مساعد القطاع الاقتصادي في وزارة الزراعة طارق أبو لبن إن “وزارة الزراعة دعت الجهات الرقابية كالضابطة الجمركية ووزارة الاقتصاد لإيجاد طرق للتعامل مع التهريب الذي يعتبر من أعقد المشكلات التي تواجهنا. وخطتنا الأساسية خلال المرحلة المقبلة هي مكافحة المهربين. ولدينا العديد من الملفات التي تم تحويلها إلى القضاء، فخلال العام المنصرم تم تنفيذ 260 محضر ضبط زراعي لفلسطينيين يحملون منتجات زراعية مهربة من إسرائيل إلى الأسواق الفلسطينية لا يملكون أي أوراق ثبوتية، وأُحيلت ملفاتهم إلى نيابة مكافحة الجرائم الاقتصادية لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، وتم ضبط 230 مليون كيلو من المنتجات النباتية، و543 عجل، إضافة إلى 59 ألف طير تم ضبطها وإعدامها. والقضاء الفلسطيني يُجرم التعامل مع تلك البضائع، وقد تصل الغرامة المالية إلى 2000 دولار وسجن 6 أشهر، وقد تتضاعف مدة الحبس والغرامة لمهربين وتجار ضبطوا أكثر من مرة. وهناك كثير من المناطق التي لا تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية التي يتم استغلالها لتهريب تلك البضائع وغيرها”.

حماية الأسواق

ويشير المدير التنفيذي لاتحاد جمعيات المزارعين الفلسطينيين عباس ملحم إلى أن “السوق الفلسطينية غير محمية، ومستباحة من بضائع المستوطنات والبضائع الإسرائيلية، ولا تؤخذ إجراءات جدية لتنظيمها وحمايتها في سبيل تعزيز وصول المزارعين الصغار إليها، وهم الذين يعيشون تحديات كبيرة غير مسبوقة لتسويق منتجاتهم التي لطالما تم ضربها من قبل المزارعين الإسرائيليين، فكميات البصل المهرب هذا العام قدرت بـ 26 مليون كيلو، فيما تتجاوز كميات العنب المهرب سنوياً 10 ملايين كيلو. ونطالب بوجود سياسات حامية للمنتج الزراعي الفلسطيني وحماية الأسواق”.

قائمة سوداء

ووفق جمعية حماية المستهلك الفلسطيني، يعودُ غياب الرقابة الفاعلة في السوق الفلسطينية إلى تشابكها مع السوق الإسرائيلية، حيث تخضع المناطق المصنفة (ج) لإسرائيل، ما يتيح لضعاف النفوس من التجار القيام بعمليات تهريب واسعة لسلع ومنتجات إسرائيلية سيئة النوعية، وبيعها في السوق الفلسطينية بشكل غير قانوني، حتى أصبحت السوق مكب نفايات للسلع الإسرائيلية الرديئة التي يفشل تصديرها إلى الخارج. إضافة إلى ذلك، هناك نقص في الكوادر البشرية في الفرق الرقابية التي تحمل صفة الضابطة القضائية.

ويعتبر مدير الجمعية صلاح هنية أن “ضعف عمليات الرقابة والتفتيش تعود بالأساس لقلة الموارد المالية التي أضعفت القدرة الفلسطينية على إتمام التجهيزات المؤهلة لإجراء فحوصات للسلع والمنتجات المختلفة. وهناك غياب للمعايير الفنية الإلزامية لكل ما يباع في فلسطين، مع ضعف الإجراءات القانونية بعد عمليات الضبط، فلا توجد قدرة حتى اللحظة على نشر أسماء المخالفين والتشهير بهم ضمن قائمة سوداء، نتيجة لانتظار الحكم القضائي الذي قد يستغرق وقتاً طويلاً”.

تفوق زراعي

تبلغ قيمة التصدير الزراعي الفلسطيني إلى تل أبيب سنوياً، وفق الأرقام الرسمية، نحو 300 مليون دولار، إذ يصدر الفلسطينيون في الضفة الغربية إلى تل أبيب يومياً بين 280 و300 ألف كيلو منتجات زراعية. فيما يصل الاستيراد الزراعي من إسرائيل إلى مليار و200 مليون دولار.

ووفقًا لوزارة الزراعة والتطوير القروي الإسرائيلية، بلغت قيمة الإنتاج الزراعي عام 2016 حوالى 7.9 مليار دولار، فيما تعاظم الإنتاج الزراعي بين العامين 2005 و2015 حوالى 19 في المئة، على الرغم من أحوال الطقس القاسية ونقص المياه.

ويوجد في إسرائيل 919 بلدة زراعية، من بينها 443 بلدة إسكانية تشكل 48 في المئة من كامل الاستيطان الزراعي، و266 “كيبوتس” تشكل 29 في المئة من مجمل البلدات الزراعية في إسرائيل.