معادلة الغزو الأميركي: مخاطر البقاء والانسحاب


بعد عشرين سنة من الفشل تعترف كوندوليزا رايس بأن “ما يمكن فرضه هو الطغيان لا الديمقراطية”

رفيق خوري كاتب مقالات رأي 

أفغانستان هي النموذج الحي للمعضلة العويصة التي رمزها “عقدة غورديان”. عقدة أحكم شدها غورديوس ملك فريجيا ولن يحلها، حسب الأسطورة، إلا سيد آسيا المقبل. جاء الإسكندر المقدوني الكبير وقطعها بسيفه، لكنه لم يعش ليصبح سيد آسيا التي ظلت عصية. وعلى أرض أفغانستان و”ممر خيبر” دارت “اللعبة الكبيرة” في القرن التاسع عشر بين الإمبراطورية البريطانية التي تحكم الهند والإمبراطورية القيصرية الروسية المتمددة في آسيا. وهما معاً اصطدمتا بالكلفة الباهظة للسيطرة على هذا البلد الصعب جغرافياً واجتماعياً.

السوفيات الذين أرسلوا الجيش الأحمر لاحتلال كابول العاصمة، ودعم نظام شيوعي في بلد متدين متعدد الأعراق والقبائل، لم يتعلموا الدرس من الجيش القيصري والجيش البريطاني. وهم أجبروا على الانسحاب في مواجهة حرب عصابات شنها “المجاهدون” بدعم باكستاني – أميركي، وظهر فيها دور “الأفغان العرب” وتنظيم “القاعدة” بزعامة أسامة بن لادن. وليس قليلاً عدد الدراسات التي وضعت الانسحاب بين أسباب عدة أدت إلى انهيار الاتحاد السوفياتي.

والأميركيون الذين ردوا على تفجيرات نيويورك الإرهابية يوم 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بإسقاط نظام طالبان، وضرب “القاعدة” لم يتعلموا دروس الإنجليز والروس والسوفيات. فهم قضوا عشرين عاماً في أطول حرب أميركية، ينسحبون منها حالياً بأسرع من الموعد المحدد في الذكرى العشرين لتفجيرات نيويورك. وهم حاوروا طالبان وتوصلوا إلى اتفاق معها لضمان الانسحاب. شيء من سخرية القدر، وشيء من “إنفاق ستة تريليونات دولار من أجل حروب لا متناهية”، كما قال السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز في “فورين أفيرز”.

ذلك أن التدخل العسكري الخارجي في أي بلد يصل في النهاية إلى معادلة تفرض نفسها: البقاء مكلف وصعب إن لم يكن مستحيلاً، والانسحاب يترك وراءه وضعاً هشاً خطيراً يقود إلى سيناريوهات مخيفة. إدارة الرئيس جو بايدن التي نقضت الكثير مما قررته إدارة الرئيس دونالد ترمب مشت على خطاها في أفغانستان والعراق. وهي أكدت في “التوجيه الاستراتيجي المؤقت” أن الولايات المتحدة “لن تخوض ولن تشارك في حروب أبدية أودت بحياة الآلاف وأهدرت تريليونات الدولارات”. والخطوة الأولى هي “الانسحاب من أفغانستان بشكل مسؤول، مع ضمان ألا يصبح هذا البلد ملاذاً للهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة”. لكن الضمان ليس مضموناً بالفعل، فالانسحاب الأميركي الأول من أفغانستان قاد إلى حرب أهلية بين أمراء البشتون والطاجيك والأوزبك والهزارة انتهت بسيطرة طالبان من البشتون وتعاظم دور “القاعدة”. والانسحاب الثاني سيؤدي، حسب معلومات المخابرات الأميركية، إلى سيطرة طالبان على كابول خلال ستة أشهر.

والسؤال هو: لماذا تعجز حكومة الرئيس أشرف غني المدعومة من تحالف قوي من البشتون، وهم الإثنية الأقوى والحاكمة تاريخياً، والطاجيك والأوزبك، عن مواجهة فريق بشتوني متشدد جربت البلاد حكمه المتسلط الذي يلغي حقوق المرأة ويقيم سلطة دينية متطرفة مثل طالبان؟ لماذا لا يستطيع جيش الشرعية الذي جرى تدريبه وتسليحه على أيدي أميركا والناتو ويضم 260 ألف رجل أن يصمد أمام ميليشيا طالبان؟ هل السبب هو أن الميليشيات تقاتل عن عقيدة بدعم من الاستخبارات الباكستانية أم أن هناك أسباباً أخرى؟ وماذا عن غياب الود تاريخياً بين الأفغان والباكستانيين، بصرف النظر عن حاجة أفغانستان إلى الممر الباكستاني؟

الخبراء يرون أمرين مؤكدين: أولهما عودة الحرب الأهلية التي لا يزال أمراؤها حاضرين، شخصياً أو من خلال الأبناء. وثانيهما صراع القوى المجاورة على النفوذ في أفغانستان: روسيا، والصين، وباكستان، وإيران، والهند. فالوجود العسكري الأميركي الذي انتقده هؤلاء لأنه قلل من نفوذهم، كان على الوجه الآخر يحمي وضعاً قليل الخطر على مصالحهم الحيوية، إن لم يكن مريحاً لبعضهم. أما بعد الانسحاب، فإن على هذه القوى التي كانت متفقة على انتقاد أميركا ودورها أن تدير صراع المصالح بينها في أفغانستان، وهي مصالح متناقضة. فالهند في مواجهة باكستان والصين، وما يخدم روسيا يختلف عما يخدم إيران وباكستان، ومن الصعب التوفيق بين مصالح إيران وباكستان.

دروس الفشل كثيرة مثل دروس النجاح، ولا سيما في مغامرة دامت عشرين عاماً. فحين جاء “المحافظون الجدد” إلى السلطة مع الرئيس جورج بوش الابن، ونائبه ديك تشيني، ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد، كانوا ينتظرون فرصة لتطبيق خطة جاهزة لـ”إعادة تشكيل” الشرق الأوسط بالقوة العسكرية. “القاعدة” أعطتهم المبرر لغزو أفغانستان، وهم اخترعوا قصة كاذبة عن أسلحة الدمار الشامل وتعامل صدام مع “القاعدة” لغزو العراق. وكان المخطط الأساسي غزو ستة بلدان عربية. بعد عشرين سنة من الفشل تعترف مستشارة الأمن القومي ثم وزيرة الخارجية، الدكتورة كوندوليزا رايس، بأن “ما يمكن فرضه هو الطغيان، لا الديمقراطية”.