وثائق “إيبلا” أضخم اكتشاف أثري في قرننا الحالي


كتبت قبل 4500 سنة وغيرت مفاهيمنا عن أقدم مراحل التاريخ

نيرمين علي مراسلة @nermenali1

لم يكن اكتشاف أطلال مملكة “إيبلا” حدثاً عادياً في تاريخ سوريا الحديث، فمعرفة “إيبلا” نقلت سوريا إلى مكانة رفيعة وجعلتها تحتل مركزاً حضارياً متقدماً في الشرق الأدنى جنباً إلى جنب مع بلاد الرافدين وحضارته السومرية ووادي النيل وأهراماته وعصر ملوكه.

والحقيقة أن الوثائق التي كتبت قبل 4500 سنة غيّرت مفاهيمنا عن أقدم مراحل التاريخ، إذ يؤكد الباحثون أنه لم يسبق لعلم الآثار أن فوجئ باكتشاف ضخم كما حدث في “تل مرديخ” (في محافظة إدلب السورية على بعد 53 كيلومتراً جنوب غربي حلب)، فقد ظلت “إيبلا” قابعة في أذهان علماء الآثار عشرات السنوات قبل أن يُعرف موقعها، فهي لم تكن قبل عام 1968 سوى اسم موثق في الشواهد الكتابية.

تمثال بازلتي

بدأت سلسلة التنقيبات الفعلية في موقع “تل مرديخ” عام 1964، من قبل فريق علماء آثار من جامعة روما برئاسة البروفيسور الإيطالي باولو ماتييه، وكان هدفها التنقيب عن آثار العصر البرونزي في سوريا، واكتشف في الموسم الأثري الخامس من التنقيبات عام 1968 قطعة من تمثال بازلتي، كان البداية الرسمية التي قادت العلماء لاكتشاف “إيبلا”، كما عثر في عام 1975 على أرشيفات يعود تاريخها إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، وكذلك أكثر من 17000 لوح مسماري من الطين، وكانت الألواح سليمة تقريباً ومرتبة، الأمر الذي وفر مصدراً غنياً للمعلومات حول “إيبلا”.

ويقول ماتييه، “أهمية وثائق “تل مرديخ” تنبع من كونها تضيف صفحة ناصعة للغاية إلى تاريخ سوريا وحضارتها الرفيعة في فترة سحيقة في القدم”، ووفق ما أسفرت عنه الأعمال الأثرية فنحن أمام مملكة استوطنت لأكثر من أربعة آلاف سنة، وقوة كبرى هيمنت فترة طويلة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي أيضاً، وسيطرت خلال (2600 – 2240 ق.م) على شمال سوريا ولبنان وأجزاء من شمال بلاد ما بين النهرين.

شكل المدينة

وأخذت حدود المدينة شكلاً شبه منحرف غير منتظم، تماماً كما شكّل السور الضخم الذي يحيط بها من كل جوانبها، وتضم الأسوار والأحياء الشعبية والتل المركزي “الأكروبوليس” الذي فرض نفسه على تخطيط المدينة، وظل عبر كل العصور مركزاً لها ومقراً رسمياً للسلطات، والحي الملكي الذي تتربع مبانيه فوق أسطح مباني العامة من الشعب، وجاء شكل الشوارع على شكل أحزمة أشعة تنبعث من الحي الملكي لتلتقي بالبوابات.

أما مساكنها المنخفضة المنتشرة حول المعابد على أطراف التل المركزي، فبنيت جدرانها باللبن فوق أساسات من الحجر، وذكر الباحث والمؤلف علي أبو عساف في كتاب “آثار الممالك القديمة في سوريا”، أن المسكن الشعبي كان يتألف من رواق أو ممشى، تتبعه باحة داخلية مستطيلة الشكل غير مسقوفة، ثم حجرتان مقابل الرواق، وهذا مخطط يتكرر في أكثر المساكن الشعبية “الإيبلائية”.

فنون البناء والعمارة

نحن أمام عاصمة لحضارة رفيعة المستوى استوطنت آلاف السنوات ومدينة راقية دلت على مظاهر العمران والبناء التي بينت أوجهاً أصيلة ومستقلة بشكل أساسي، إذ أثبتت مكتشفات “إيبلا” وبقاياها المعمارية المتوزعة في أماكن عدة من التل، على أن الفترة الواقعة بين (2400 – 2250 ق.م)، كانت فترة الازدهار الأول لإمبراطورية “إيبلا”، أما الكتابات المسمارية فقد تحدثت عن وجود أربعة أحياء يحتمل أنها ارتبطت بأربع بوابات، وأن المدينة كانت محاطة بسور دائري منيع بني من الحجارة الكبيرة غير المنحوتة، وقد حصن بأبراج مربعة بارزة حسب التقاليد المعمارية التي كانت سائدة في الألف الثالث قبل الميلاد.

وقد ورد في كتاب “إيبلا”، “إعادة اكتشاف إمبراطورية لـ”جوزيه ماتييه” الصادر عام 1981، أن مساكن “إيبلا”، التي كانت مكتظة بالسكان، بنيت باللبن ومن دون أساسات حجرية على الغالب، وربما ضمت المعابد أيضاً، ودلت عليها الشواهد المعمارية المكتشفة في “الأكروبوليس”، “التل المركزي”، ومعبد “N”، والقصر الملكي “G”، والمعبد الكبير “D” وغيرها، وتتعدد المباني المعمارية في “إيبلا”، وأحد أكثرها غزارة في الوصف المقدم من قبل العلماء هو القصر الغربي”.

قصر “إيبلا” الغربي

اكتشف “القصر الغربي” عام 1978، ويعتبر واحداً من القصور الضخمة بمساحة تقارب 30027 متراً مربعاً، على شكل مستطيل غير منتظم، يعتمد تصميمه الداخلي على رصف وحدات سكنية متجاورة ومتماثلة، تفصل بين الواحدة والأخرى جدران متوازية، أما الوحدات السكنية نفسها فيتألف كل منها من باحة سماوية تقوم خلفها غرفتان أو ثلاث غرف، وتطل من الخلف على الباحة نفسها.

ويشير ماتييه إلى أن بناء هذا القصر يعود إلى الحقبة الأولى من العصر البرونزي الوسيط (2000 – 1800 ق.م)، واعتمد بنيانه على مقاييس أساسية في التصميم وتوزيع الفراغات المعمارية، فالباحات السماوية صغيرة نوعاً ما، كما أنها تأخذ شكلاً مستطيلاً، وتتعامد مع السور الخارجي للقصر، وترتصف بعض الغرف بين الباحة والجدران الخارجية، أما جناح الاستقبال فيتركز في الجزء المركزي، كما أن هناك مدارج لتأمين الوصول إلى الطابق الثاني المخصص للسكن والمنامة.

السمات السورية القديمة

وبحسب كتاب “إمبراطورية إيبلا”، وجد ماتييه أن هذه العناصر المعمارية تختلف كلياً عن أسس التصميم المعروف في الحضارة البابلية القديمة، إذ كانت تتألف الوحدة المعمارية من باحة مركزية من باحة مركزية كبرى، وتحف فيها غرف طويلة موازية لأضلاع الباحة والجدران الخارجية، كما أن حركة الانتقال داخل جنبات القصر ليست دائرية كما قصر “إيبلا” الغربي، ومركز انطلاقها الباحة الرئيسة في الوسط، ولا يستخدم الدرج إلا قليلاً، وبناء على ذلك، نجد أن قصر “إيبلا” الغربي بعيد كل البعد عن التقاليد المعمارية الرافدية بدءاً بالفترة الأكادية وانتهاء بالعهد البابلي، وتتجلى مظاهر التقاليد المعمارية السورية في القصر في استخدام الأساسات السميكة من الكتل الحجرية الكبيرة لإقامة جدران اللبن فوقها، وفي الإكثار من استخدام جدران الحجر الكلسي والبازلتي، وفي استخدام دعامات حجرية من قطعة بازلتية واحدة لوجنات الأبواب، كذلك فإن البوابة الأمامية للقصر الغربي في “إيبلا”، والتي يحتمل أن تكون محمولة على عمودين، تسبق البوابة المكتشفة في “ألالاخ” أي “تل عطشانة”، كما تسبق ما يسمى بطراز “بيت حيلاني” الذي انتشر في بلاد الشام خلال الألف الأول قبل الميلاد.

ومن السمات السورية القديمة، يذكر ماتييه جناح الاستقبال الرسمي ذا التقسيم الثلاثي والصالتين الرئيستين اللتين يفصل بينهما رواق، والمعروفة أيضاً في عمائر “ألالاخ” وفي “تل المشرفة”، “قطنة” قديماً، قرب حمص.

وتؤكد هذه الخصائص المعمارية المنفردة في قصر “إيبلا” الغربي وانسجامها مع القصور الأخرى على استقلال وانفراد الحضارة السورية الشمالية خلال الحقبتين الأولى والثانية من عصر البرونز الوسيط.

سور المدينة وبواباته

يذكر المؤرخ علي القيم في كتاب “إمبراطورية إيبلا” أن “المعموريين”، “الكنعانيين” بنوا في عصر البرونز الوسيط، مدناً قوية محصنة أحاطت بها الأسوار الضخمة المصنوعة من الحجر واللبن، وكانت لها بوابات ضخمة تحميها الأبراج الدفاعية القوية، وقد أحيطت مملكة “إيبلا” في مطلع الألف الثاني بسور ضخم عبارة عن جدار عريض عند قاعدته، ويضيق كلما اتجه نحو قمته.

ويعود تاريخ سور “إيبلا” إلى (1950 – 1800 ق.م)، وقد بلغ ارتفاعه 20 متراً، ودعم قسمه الأسفل حتى ارتفاع أربعة أمتار ببلاطات حجرية كبيرة، وكانت تخترقه أربع بوابات رئيسة، حملت كل منها اسم إله من آلهة المدينة، وتتألف بوابة “إيبلا” من قسمين رئيسين، قسم خارجي وآخر داخلي أكثر تعقيداً، تفصل بينهما باحة على شكل شبه منحرف.

وتعتبر بوابة “إيبلا” الأفضل حفظاً والأقدم عصراً في بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين، مع الإشارة إلى وجود نماذج مشابهة لها في “تل عطشانة” و”قطنة” و”إيمار” و”كركميش” (جرابلس)، وتل أبو أضنة (شمال سوريا) ومواقع أثرية في الجنوب السوري