حذر البنوك العالمية قد يعيد التعامل مع لبنان إلى “القرون الوسطى”


تقرير “موديز” يشير إلى أن احتياطات البلاد المتاحة للاستخدام انخفضت إلى مليار دولار

طوني بولس @TonyBoulos

تزداد صورة المشهد اللبناني، بشكل عام، سوداوية، يوماً بعد يوم، مع استمرار أزمة تشكيل الحكومة، وتداعياتها السلبية على الاقتصاد، في ظل تفاقم العزلة الاقتصادية مع محيطه العربي والدولي. وبالتزامن حذرت شركة “موديز” للتصنيفات الائتمانية من فقدان لبنان علاقاته مع المراسلة المصرفية، وتسريع وتيرة تراجع الاقتصاد، في حال استمرار التعدي على الاحتياطات الإلزامية للبنوك لدى “مصرف لبنان”، لتمويل فاتورة الدعم.

وأضافت “موديز” في تقريرها، أن فقدان علاقات المراسلة المصرفية بشكل دائم سيزيد من اعتماد لبنان على التمويل الخارجي الرسمي، إذ ستظل المدفوعات العابرة للحدود وخدمات المقاصة في حالة من الشلل، حتى بعد إعادة هيكلة شاملة للديون، ما قد يثبط أي تعافٍ محتمل. وأشارت إلى أن احتياطات لبنان المتاحة للاستخدام انخفضت إلى مليار دولار في نهاية فبراير (شباط)، وذلك استناداً إلى بيانات من البنك المركزي “وهافر أناليتكس”.

وحذر متخصصون اقتصاديون من تداعيات التحذيرات التي أطلقتها “موديز”، واعتبروا أنه على الرغم من أن إطلاق مثل هذه التحذيرات ليس الأول من نوعه، فإنه أحدث ضجة لما تحمله من أبعاد مأساوية على لبنان، ونظراً لكونها جهة عالمية تعمل على تصنيف “الجدارة الائتمانية”، أي مدى قدرة الجهات الراغبة في الاقتراض على الوفاء بالتزاماتها وسداد ديونها لمستحقيها ضمن الفترة الزمنية المتفق عليها.

ويقول المتخصصون إن العزل المالي أصعب بكثير من العزل العسكري، حيث يصبح من المستحيل على الدولة استيراد السلع حتى لو امتلكت المال، وهو شكل من أشكال المقاطعة نتيجة انعدام الثقة، والتي قد تمتد لسنوات طويلة إلى ما بعد الانتعاش المالي.

وشكل تخلف لبنان عن دفع سندات “اليوروبوندز” في 7 مارس (آذار) 2020 نكسة لسمعة لبنان المصرفية، ما أدى لنتائج سلبية متتالية. ويشير المتخصصون إلى أن تقرير “موديز” يشكل مقدمة لفتح باب الدعاوى بحق لبنان، كون التخلف عن الدفع لم يقابله أي تفاوض مع الدائنين، أو تعهد بجدولة تلك الديون ضمن خطة حكومية إصلاحية وشفافة.

وكانت وكالة “موديز” الأميركية قد خفضت تصنيف لبنان الائتماني في يوليو (تموز) الماضي من درجة CA إلى C، وهي أدنى درجة في سلم تصنيفات الوكالة الدولية، ما عكس تقديراتها بأن الخسائر التي تكبدها حائزو السندات خلال التعثر الحالي للبنان عن السداد، من المرجح أن تتجاوز 65 في المئة. وعللت الوكالة في تقرير سابق حيثيات قرارها بخفض التصنيف، الذي لم تقرنه بنظرة مستقبلية، كما جرت عادة وكالات التصنيف العالمية، لارتفاع مستوى المخاطر التي يواجهها الدائنون غير الرسميين.

اقتصاد “الحقيبة”

وبرأي المحلل المالي والاقتصادي لويس حبيقة، فإن تقرير “موديز” الأخير، يكشف عن الواقع الذي يعيشه اللبنانيون، إذ إن هناك كثيراً من الأنشطة التجارية والخدمات توقفت جراء وقف عدد من تعاملات المراسلة المصرفية مع الخارج، الأمر الذي نتج عنه الانتقال إلى التعامل بالأموال النقدية، مبدياً تخوفه من أن تحل شركات نقل الأموال بدلاً من النظام المصرفي الذي يربط لبنان مالياً بالعالم، الأمر الذي يؤدي إلى عزلة مالية تامة.

وأوضح أن هناك أكثر من 20 شركة في لبنان تتولى نقل وشحن الأموال من وإلى الخارج، ما يعني “العودة إلى القرون الوسطى في عالم الأعمال والتجارة والاقتصاد، إذ لا يعود بإمكاننا إجراء التحويلات المالية”. وشدد على أن ما نشهده مجرد تعايش مع الواقع من خلال الاعتماد على نقل الأموال النقدية بين الداخل والخارج، بانتظار الحل الذي بات معروفاً، وهو “تشكيل حكومة تتفاوض مع صندوق النقد الدولي، وتبدأ بإقرار وتطبيق الإصلاحات، ومحاربة الفساد جدياً لا عبر الخطابات، والتفاوض مع حاملي سندات “اليوروبوندز” على إعادة جدولتها وإعطائهم ضمانات بتسديدها لاستعادة الثقة”.

وتوقع أن يتحول لبنان إلى دولة فقيرة في حال عدم الشروع الفوري إلى معالجة الأزمة. وقال إن “الضائقة ستزداد وتتعمق الأزمة أكثر، وأنه لا يمكن التعويل على اقتصاد بهذا النمط، وما تبقى من حركة اقتصادية ومحاولات لإبقاء عجلة الاقتصاد في دوران، ستصاب بشبه شلل، فالتعاملات التجارية والمالية والتحويلات والالتزامات والعقود تتم اليوم إلكترونياً، بالتالي، أي اقتصاد يقوم فقط على وصول أو مغادرة طائرة تشحن أموالاً هو اقتصاد متخلف”.

معارك “دونكيشوتية”

بدوره، رأى المحلل الاقتصادي فؤاد رحمة، أن الاشتباك السياسي المستمر في لبنان واستخدام القضاء لتصفية الحسابات السياسية يؤدي إلى زعزعة ثقة المجتمع المالي الدولي بالقطاع المصرفي اللبناني، الأمر الذي انعكس بوقف بعض البنوك المراسلة علاقاتها المالية مع لبنان واستمرار مؤسسات التصنيف الائتماني تخفيض تصنيف لبنان، وآخرها كانت التحذيرات التي أطلقتها شركة “موديز” حول خطورة الوضع الاقتصادي في لبنان.

ولفت إلى أن مشهد “المعارك الدونكيشوتية”، والتي كانت بطلتها المدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، أمام مكاتب شركة صرافة يملكها رجل الأعمال اللبناني ميشال مكتف، ساهمت أيضاً بتراجع الثقة بالقطاع المصرفي اللبناني، ولا سيما أنه تم إعطاؤه بعداً قضائياً، ما يقلق البنوك المراسلة، متوقعاً أن نرى تداعيات سلبية إضافية في الأسابيع المقبلة، ولا سيما لناحية استقدام الدولارات إلى البلاد نتيجة الأضرار المعنوية التي تسببت بها تلك “العراضة القضائية” بسمعة شركة شحن الأموال الأبرز في البلاد، مضيفاً “أن استرداد الودائع لا يتم بالهجوم على الشركات الخاصة، بل بتأليف حكومة فعالة، والبدء بتطبيق الإصلاحات المرجوة، والعودة إلى الشرعية الدولية”.

واعتبر أن كل السيناريوهات مخططة بهدف إسقاط البلاد. وقال، “لا شيء في لبنان يحدث من دون أن يكون مخططاً له، وإن تحالف السلطة يحاول نقل لبنان إلى النموذج الاقتصادي السائد في إيران والعراق وسوريا واليمن”.

تحديات الحصول على الطعام

بدوره، خفض “البنك الدولي” في تقريره الأخير حول “الآفاق الاقتصادية للبنان – في أبريل (نيسان) 2021″، توقعاته السابقة للنمو الاقتصادي في لبنان لعام 2020 من انكماش بنسبة 19.2 في المئة، إلى انكماش بنسبة 20.3 في المئة. وأشار التقرير إلى أن نسبة 50 في المئة من سكان لبنان أصبح تحت خط الفقر، بسبب تأثير الأزمات المالية والنقدية على المجتمع. 

وأشار تقرير البنك الدولي إلى أن لبنان يعاني عدم اليقين في الأوضاع المالية والنقدية وتعددية سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي كسعر الصرف في السوق الرسمية عند 1515 ليرة لبنانية للدولار الأميركي الواحد، وسعر الصرف المدعوم من مصرف لبنان، المطبق على الواردات الضرورية، وسعر صرف الدولار المتقلب في السوق السوداء. 

بالتوازي، أشار التقرير إلى أن القطاع المصرفي، الذي كان قد اعتمد تدابير “كابيتال كونترول”، جذرية وغير رسمية، أوقف عمليات التسليف في ظل صعوبة في استقطاب رساميل جديدة من الخارج، مشيراً إلى أن إيفاء ودائع الزبائن المعنونة بالدولار الأميركي قبل أكتوبر (تشرين الأول) 2019 ليس هو الحال كما بعده.

وقدر برنامج الطعام العالمي أن نحو 41 في المئة من العائلات اللبنانية تواجه تحديات في الحصول على الطعام والخدمات الأساسية، في حين يعاني 36 في المئة الصعوبة في الحصول على خدمات صحية، بينما ارتفعت مستويات البطالة من 28 في المئة مع نهاية فبراير (شباط) 2020، أي قبل مرحلة تفشي فيروس كورونا، إلى 40 في المئة في بداية العام الحالي. 

أما لجهة الموازنة، فقد علق البنك الدولي أن إيرادات الدولة انخفضت بنسبة 20.2 في المئة سنوياً خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2020، نتيجة تراجع إيرادات الاتصالات بنسبة 56.5 في المئة، وانكماش إيرادات الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 49.7 في المئة، وتدني الإيرادات الجمركية بنسبة 34.5 في المئة، في حين تراجعت النفقات الحكومية بنسبة 18.4 في المئة خلال الفترة نفسها.