السلام الكذوب حرب لم تنته!


جعلها أرضاً للتجارب وبالتالي للحرب بالوكالة فـ”كوكب الإرهاب الدولي”

أحمد الفيتوري كاتب 

“الحرب، تلك الحرب، التي انتهت عبثيتها بانتصار الجميع، من غير أن ينهزم فيها أحد”.

الكاتب التونسي الطاهر لبيب

شاهدت من فترة قريبة، الرئيس التشادي “ديبي”، في زِيّه الوطني، يتحدث بلغته الفرنسية في محطة “فرانس 24” العربية، فأشار إلى قلقه من تردي الوضع الأمني في ليبيا، ووكد على مخاوفه، من انعكاس ذلك الوضع الليبي، على الوضع التشادي.

علّه في حديثه ذاك، لم يتنبأ بالمستقبل بل وصف واقع الحال، فبلاده تشاد، على قرن ثور فرنسي، مثلما بقية المستعمرات السابقة، ما تحولت من أراض محتلة، إلى دول حروب بالوكالة. وما تم الحرص، على أن تكون أرضاً خاماً، للخامات من ذهب أبيض وأصفر وأسود ويورانيوم، وما في حكم ذلك، وفي أفضل حال، تُحول إليها الصناعات المكلفة في المركز، سواء من حيث العمالة أو السموم، مع جعلها أرضاً للتجارب وبالتالي للحرب بالوكالة، فـ”كوكب الإرهاب الدولي”.

لقد كانت بالفعل، أرض المستعمرات السابقة، دولاً للاستثمار الناجح! من قبل المستعمر السابق، وبالنسبة لتلك الدول، إعلان الاستقلال إعلان حرب، فـ”تشاد” مثلاً إعلان استقلالها عام 1960، كان بمثابة إندلاع لحرب أهلية لم تنته بعد، وكان مقتل أول رئيس تشادي، مفتتح مقتل آخر رئيس حتى الآن. وطبعاً لم أُشر إلى تواجد فرنسا مثلاً في تشاد، وتواجد قوات لها، أو مجيء هذه القوات على عجل، لدحر قوات “العقيد القذافي”، من حُرّض دائماً، على التدخل في الشأن التشادي. في هذا الحال الميتافزيقي أي المحتوم، كانت أفريقيا ما بعد الاستعمار، مرتعاً الإرهاب، ما ينتجه غرب آسيا وشرق المتوسط، ويحاربه كوكب الأرض وسكانه آل السلام الغربيين، فكان “الرئيس ديبي” أحد المحاربين بالوكالة في حرب بوكو “حرام”!

وهكذا يبدو أن المستعمرات السابقة حقل تجارب، في العصر السيبراني، بالإضافة إلى المهام السابقة منذ الحرب الكورية حتى الأفغانية، الحرب التي لا تنتهي، حتى بعد سحب قوات الحلف الأطلسي. بل ويبدو أن مهمة أفريقيا، أن تكون أيضاً حقلاً، حتى لتجارب القوى الناهضة كالصين، ولذا فهي ساحة المعركة، حيث تُجرّب كل أنواع الأسلحة، الاقتصادية والصحية والعلمية والعسكرية… إلخ، التجارب هذه ما طبعها “قذر” بالضرورة.

الشيء بالشيء يذكر، فمقتل الرئيس من انتهت مهمته، ذكّرني بحرب تلاسن حالياً بين فرنسا ومستعمرتها السابقة الجزائر، الدولة العربية التي نَشر فيها المستعمر الفرنسي الأميّة، منذ احتلالها 1830 إلى الإستقلال 1962. الاتهام بـ”نشر الأميّة” هذا جاء على لسان مسؤول جزائري، الغريب أن ما عناه ذاك المسؤول، أن الأميّة عمّت البلاد، حتى في لغة المستعمر، وليس في العربية لغة البلاد فحسب. وبالتالي فإن فرنسا، لم تقم بمحو الماضي، ولكن هيمنت على المستقبل أيضاً، المستقبل الأمّي الذي أوكل المستعمر به رجاله في البلاد، العسكر الذين يخوضون حرباً أهلية، للسيطرة على البلاد، منذ الاستقلال 1962، وحتى يومنا هذا، يوم الحراك “الربيع الجزائري”، ما يتخذ من الشارع طريقة سلمية، لإزالة آثار الحرب الإستعمارية، وهذا حسب رأي قطاع واسع ممن يشارك في الحراك.

إن الحقيقة المرّة، على الرغم من كل التخرصات، أن أفريقيا كما كانت أرض العبيد، لعصر النهضة الأوروأميركية، باتت أرض الخامات للعصر الصناعي، وحالياً نشاهد عودة في العصر السيبراني، لتجارة العبيد، تحت صيغة “الهجرة غير الشرعية”. هذا في الوقت الذي تم فيه، استنزاف باطن أرض أفريقيا، ثم جاءت ضربة الجفاف القاصمة، من آثار ثقب الأوزون.

وهكذا معاناة قارة أفريقيا فيما بعد الاستعمار، أشد من مرحلة الاستعمار نفسها، الذي حسب مقولة الستينيات التهكمية: خرج من الباب لِيعود من النافذة. ومن ذا “مقتل الرئيس” مثلما “الهجرة غير الشرعية”، مؤشر على الحال الأفريقي، الذي يشبه حال الشرق الأوسط، ما هو حال حرب أكثر منه حال سلام، منذ نهاية الحرب الكبرى الثانية وحتى أفق آخر.

طبعاً يؤكد الكثيرون على مسؤولية الأفارقة عن حال قارتهم، وهو كذلك، حيث العبد كان دائماً، في رأي مفكرين كثر في الغرب، مصاب بإرادة العبودية! ومليء كتاب “الاستشراق” وكذا “الثقافة والإمبريالية” لإدوارد سعيد، بالاستدلالات من هذه الأطروحات الفكرية الغربية، منذ مونتسيكو حتى ماركس وغيرهما كثر، وهذا أعاد الكثير من تلاميذهم في أفريقيا وغيرها إنتاجه.

ولست هنا بصدد محاكمة لتبيان من قتل الرئيس؟ ولا من المسؤول عن حال القارة السوداء، لكن ردود الأفعال اتجاه ما حدث، من قبل فرنسا والولايات المتحدة ودول غربية أخرى، كانت السّباقة لإعلان المسؤولية اتجاه تشاد أولاً فالقارة ثانياً. وذا كما حدث عند الانقلاب العسكري في بورما “مانيمار” بقارة آسيا. ما أعاد أجواء الحرب الباردة، عندما كان الغرب يشجب ما يؤيد الاتحاد السوفياتي، ما ظهر وكأن روسيا والصين ترثان مواقفه.