حروب لوبيات الشرق الأوسط في واشنطن


بدأ في أروقة الكونغرس منذ القرن الـ19 كحركة اتصالات وتأثير على أعضاء مجلسي النواب والشيوخ ليصوتوا على مشاريع معينة

وليد فارس الأمين العام للمجموعة الأطلسية النيابية @WalidPhares

واشنطن هي عاصمة اللوبيات في العالم منذ عقود، هذا أمر لا جدل فيه، إذ إنها باتت من صميم إنتاج القرارات السياسية الكبرى والصغرى، الداخلية والخارجية في الولايات المتحدة.

بدأ ما يسمى “اللوبيينغ” Lobbying في أروقة الكونغرس منذ القرن التاسع عشر، كحركة اتصالات وتأثير على أعضاء مجلسي النواب والشيوخ ليصوتوا على مشاريع معينة. والتسمية أتت من كلمة لوبي Lobby، أي الأروقة ما بين صالات الاجتماعات الكبرى للمشرعين. وتطورت هذه السياسة إلى مهنة رسمية مسجلة لدى وزارة العدل، وباتت “صناعة بيروقراطية – سياسية” بامتياز، وقطاعاً خاصاً للتأثير العام يمارس فيه المتخصصون والعاملون السابقون في القطاع العام والمسؤولون السابقون.

ويتوزع “اللوبيينغ” بين خدمة المصالح الاقتصادية، والمالية، والاجتماعية، والثقافية، وغيرها، الداخلية. وهي السوق الكبرى “للتأثير” تصل إلى مئات ملايين الدولارات، وربما إلى المليارات. وتقوم شركات “اللوبي” والإعلانات السياسية، وشبكات التوجيه، بشراء مساحات كبيرة في الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع، وشن حملات من كل الأنواع، العلنية وغير العلنية، لتصل إلى مبتغاها. وهي إما تدافع عن من يمولها، وإما تعمل على تدمير خصوم من يدفع لها. عالم كثيف، معقد، لا هوادة فيه، يختلف عن الأخلاقيات التي نتعلمها عن الثقافة السياسية في الولايات المتحدة، لكن هذا هو الواقع.

بموازاة “اللوبيينغ” الداخلي هنالك “اللوبييغ” الخارجي، أي مجموعات وشركات الضغط التي تهدف إلى تحقيق أهداف دول، وأحزاب، ومنظمات خارجية، عبر الحكومة الأميركية، وذلك بالوسائل نفسها، أي الإعلام، والإنترنت، والعلاقات العامة، والعلاقات السياسية، والخدمات الشخصية. وبما أن الضغط لأجل أجندات خارجية يؤثر على السياسة الخارجية، والأمن القومي، والاقتصاد الوطني الأميركي، فلقد وضعت السلطات الأميركية ضوابط وتشريعات إدارية

تلزم من يتعاطى “اللوبي الخارجي” بأن يسجل ملفه لدى وزارة العدل، وأن يكشف عما يحصل عليه من مدخول مالي ومن أي طرف أجنبي. ليس هنالك من حدود للعقود إلا جعلها علنية، كي يعرف الرأي العام ما هي ارتباطات الذين يمارسون الضغط. أما في الواقع، فإن الأكثرية من اللوبيات مسجلة رسمياً، ويمكن الاطلاع على ميزانياتها عبر الإنترنت، إلا أن عدداً من هذه الكيانات أو الأفراد لا يسجلون، ويقعون في مطبات قانونية وعدلية. أضف إلى ذلك وجود شبكات دولية للوبي في أميركا تعتمد على آليات معقدة كي لا تسجل ملفاتها. عالم “اللوبيات” يحتاج إلى مجلد كامل لشرحه، ولكن الخلاصة المفيدة للقراء أن القرار السياسي النهائي، ولا سيما على صعيد السياسة الخارجية، يتأثر بعمق بمجموعات الضغط، واللوبيات، والإعلام، ومن ورائها المصالح المالية والاقتصادية. ومهم بالنسبة للرأي العام الشرق أوسطي خصوصاً، أن يدرك أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة ليست إنتاجاً محصوراً لمؤامرات ما، يقررها بعض “المتآمرين”، كما تصفها كثير من العقول “المحللة” في الشرق الأوسط الكبير. إنتاج هذه السياسة يأتي كنتيجة متعددة الجذور لقنوات ضغط متعددة، تبدأ مع مؤسسات الدولة، أي الإدارة والكونغرس، وتشمل كل من وما يؤثر عليهم.

خريطة “لوبيات الشرق الأوسط”

فما هي خريطة “اللوبيات” التي تعمل لصالح محاور الشرق الأوسط؟ وهل هي في حالة حرب، كما هي المكونات الأم في المنطقة؟ هذا أيضاً بالطبع يحتاج إلى كتاب، ولكن هكذا يمكن تلخيص خريطة هكذه:

1- لكل دولة أو حكومة في المنطقة شركات تأثير متعاقدة معها لمساعدتها على تحقيق أهدافها المشروعة من تحسين علاقات، أو الحصول على عقود تجهيز، أو أمور دفاعية، أو تنظيم معاهدات، مع الولايات المتحدة، وهذا أمر طبيعي وقانوني، وليس محصوراً بالحكومات المركزية فقط، ولكن أيضاً مناطق وأقاليم، وحتى أحزاب ومصالح وأجهزة.

2- بعض الدول كإسرائيل لها شبكة تأييد واسعة وعميقة وقديمة في أميركا، تعتمد على العطف الديني أو الطائفي التاريخي الموجود أصلاً عبر كنائس ومعابد، وأعضاء في الكونغرس، لذلك من النادر أن تتعاقد حكومة إسرائيل مع شركات ترويج، بل تتواصل مع مؤسسات للدفاع عن أجندتها، تدعمها الجاليات اليهودية والإنجيلية الواسعة.

3-عدد من الدول العربية المنتجة للنفط والغاز في الخليج وشمال أفريقيا استفادت من تأثير شركات الطاقة الضخمة، وشركات التصنيع العسكري، المتعاقدة معها، لحماية مصالحها في أميركا لسنوات.

4- تركيا متعاقدة مع عدة شركات لوبي، بالإضافة إلى تأثير الصناعات الحربية الأميركية والتركية.

5-منظمة التحرير الفلسطينية لها دعم في الجامعات لدى المنظمات اليسارية ولدى الجاليات الفلسطينية.

6-أكراد العراق وسوريا لهم دعم في جالياتهم، وشركات تعاقدوا معها.

7-المعارضة اللبنانية لإيران لها حاضنة اغترابية واسعة في الولايات المتحدة، ومؤيدون في الكونغرس.

8-المعارضة الإيرانية، وخصوصاً “مجاهدي خلق”، لهم تنظيم مميز وأصدقاء في الكونغرس.

9-كما أن هنالك مجموعات تأييد لطوائف مشرقية تتحرك في الولايات المتحدة، كالمسيحيين الآشوريين، والكلدان، والسريان، والأقباط، والموارنة، وغيرهم، بالإضافة إلى الإيزيديين.

اللوبي الإيراني واللوبي الإخواني

بالطبع، قدرة التأثير الأكبر هي للوبيين الإسرائيلي والعربي، إلا أن هنالك مجموعتي ضغط باتتا تضاهيان اللوبيين المذكورين منذ نحو العقد، وهما التاليان:

اللوبي الإيراني، وهو يتألف من مؤيدي النظام في الولايات المتحدة (من دون الدخول في الأسماء في هذا المقال)، ويتوزع بين الجامعات، ومراكز الأبحاث، والإعلام، والمستشارين للبيروقراطية، وله علاقات متينة مع أقصى اليسار (وهي مفارقة، لأن النظام في حرب مع اليسار الإيراني). إلا أن القوة الكبرى لهذا اللوبي ليست من الإيرانيين، بل من ما يسمى “لوبي الاتفاق الإيراني”، أي من الأطراف الاقتصادية والتجارية والمالية التي تؤيد الاتفاق بسبب الاستفادة منه فيما بعد. ولهذه الكتلة تأثير قوي في الصحافة، والتلفزيون، وبعض أعضاء الكونغرس، وبالطبع لدى فريق أوباما – بايدن للسياسة الخارجية. وقد تمكن هذا اللوبي الكبير من وضع ضغط على مؤيدي إسرائيل والتحالف العربي في السنوات الماضية.

اللوبي الإخواني قديم، وقد خرج من الكوادر الإخوانية التي هاجرت إلى أميركا منذ الستينيات، وباتت منتشرة في الأكاديميات، ومراكز الأبحاث، والإعلام، وحققت تقدماً تنظيمياً داخل الجاليات المسلمة لعقود، ولا سيما بقيادة تنظيم “كير” الذي تواصل أيضاً مع اليساريين كما فعل اللوبي الإيراني. إلا أن قوة هذا اللوبي “الإسلاموي” قد تعاظم مع دخول قطر على خط الدعم منذ نهاية التسعينيات.

“التوازن المربع”

حيال الشرق الأوسط، توجد أربع قوى ضغط رئيسة اليوم في الولايات المتحدة، هي: اللوبي المؤيد لإسرائيل، واللوبي الإيراني، واللوبي الإخواني، ولوبي التحالف العربي. اللوبي الإسرائيلي قوي النفوذ، ولكن فقط فيما يتعلق بإسرائيل. واللوبي الإيراني بات له نفوذ فيما يتعلق بالعودة إلى الاتفاق النووي، وحيال ملفات العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن. واللوبي الإخواني كان له نفوذ كبير فيما يتعلق بجزء من سوريا، وليبيا، واليمن أيضاً، ويتقاطع مع اللوبي القطري والتركي. ولوبي التحالف العربي وصل إلى مستوى عالٍ من التأثير تحت إدارة ترمب، إلا أنه برهن على قدرته على الإبقاء على شبكة الاتصالات مع أجزاء عديدة من إدارة بايدن.

لوبيات الشرق الأوسط جميعها لها المعرفة ومنظمة، ولها قدرات مختلفة. وسنرى في السنوات الثلاث المقبلة، من منهم سيكون لهم القدرة الأكبر في الدفاع عن مصالح الأطراف الإقليمية.