دولة الأمم المتحدة!


هذا القول عين الصواب وهو غريب عجيب أيضاً

أحمد الفيتوري كاتب

كنت كتبت مقالة، في مايو (أيار) 2011، تحت عنوان “ليبيا دولة الأمم المتحدة”، للنشر في جريدة “ميادين”، في اليوم الثاني كنت في مكتبي في الجريدة أتصفح العدد الجديد، صُعقت حين تصفحت مقالتي، التي باتت تحت عنوان “ليبيا دولة في الأمم المتحدة”.

طلبت المصحح لأستوضح الأمر، وكنت صاحب الجريدة ورئيس تحريرها، والمصحح زميل وجار، اعتبر تصحيحه عقلانياً، ويستند إلى المنطق ويستدل بالقانون واللغة. في حين أنني وضعت العنوان مستنداً إلى الوقائع: أنه غبّ الحرب الكبرى الثانية، طُرحت المسألة الليبية في الأمم المتحدة، باعتبارها دولة كانت مستعمرة إيطالية منذ أكتوبر (تشرين الأول) 1911. وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار الرقم 289 في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 1949، الذي يقضي بمنح ليبيا استقلالها في موعد لا يتجاوز الأول من يناير (كانون الثاني) 1952. وكونت لجنة لتعمل على تنفيذ القرار، وكان الهولندي أدريان بلت المندوب السامي للأمم المتحدة إلى ليبيا، من عمل على تنفيذ القرار ووضع دستور ليبي، وأعلن الاستقلال في 24 ديسمبر (كانون الأول) 1951.      

تذكرت هذا الاختلاف، بانتباه شديد للأخبار المكررة والمعتادة، التي كثيراً ما تكون في باب العواجل، على الرغم من أن متنها واحد، ولا يتغير إلا في تفاصيل هامشية، لكن ما أدهشني أن تشابه الحال يمسّ حتى التفاصيل. وإن كان هناك مركز لهذه الدائرة، لم أنتبه له إلا هذه الأيام، التي كما حمى يوم السبت حين تغص الصالات بالرقص، فلقد غصت القاعات بالرقص في الذكرى العاشرة للربيع العربي، خصوصاً قاعات الأمم المتحدة.

نعم، لم أنتبه أن عدداً من دول المنطقة، أمسى يحق عليه عنواني المختلف عليه: “دُول الأمم المتحدة”، وعلى رأسها ليبيا التي عادت إلى مبتدأها، منذ مارس 2011، وقرارا الأمم المتحدة 1970 و1973، غدت مرة ثانية: “ليبيا دولة الأمم المتحدة”، وبات الفاعل الرئيس في أمرها، أو على الأقل الموكل بأمرها: المندوب السامي مبعوث الأمم المتحدة.

هذا الحاصل في ليبيا، حاصل في سوريا واليمن والسودان، وقبل ذلك في لبنان والصومال، وأفغانستان والعراق وقبرص، ثم الصحراء الغربية، المتنازع عليها بين الجزائر والمغرب. هكذا الأمم المتحدة، كرة ثلج تكبر مع المشكلات، وتتحول معها، فتتمحور كدولة تدير دولة غائبة، وكأن المنطقة مرهونة، عقب الحرب الكبرى الثانية، إلى الأزمات، بالتالي خلقت الأمم المتحدة لأجلها، كي تدير كثيراً من شؤونها، وأن يتعيش مسؤولوها ومفوضوها وموظفوها، على النحس ومرض العضال المصابة به المنطقة.

مع تأسيس الأمم المتحدة، أخذت في صناعة مندوبيها الساميين، لتصديرهم إلى المنطقة، ما تعيش تحت أمر عسكري: محلك سرّ، وفي حين آخر: إلى الخلف درّ. ما جعل المنطقة رهينة قوة الولايات المتحدة، ومن الأمم المتحدة الكفيل المعتمد، وبطبيعة الحال بالاعتماد على عطبها الخاص، ما احتار أهل المنطقة في تشخيصه.

الشاشة الصغيرة، تغص بمندوبي الأمم المتحدة الساميين المختلفي السحنة واللغة، جميعهم قد غادروا نيويورك، المقر الرئيس لهيئتهم، في طائرة واحدة حيث الهدف واحد، فالمنطقة واحدة، واللغة واحدة، والمشكل واحد أحد. لذا، محطات التلفزة لا تعاني البتة، في نقل عواجلها عن هؤلاء المندوبين، فلا تحتاج إلا إلى مترجم واحد له، أما البقية الباقية، فستنقل مشهداً موحداً في مساقاته ومرموزاته ولغته… لكنه من ناحية أخرى العاجل الذي لا يمل، ففيه تدخلات ومداخلات من الأرض قاطبة، ترطن بلغات ولهجات من كل حدب وصوب.

وكأن دول الأمم المتحدة هذه الرقعة، وأن المندوب السامي الرخ الذي يجول فيها، ولسان حاله أن الحلّ اللاحل، في انتظار أن يفك عقدته ويطلق لسانه، من في يده خيوط اللعبة، القوي القادر على فك عقده.

في البدء عندما كتبت مقالي، وخُضت اختلافي مع المصحح، ساورني ظن أنني مخطئ، لكن اليوم وأنا أشاهد التلفزة تدمغني بالحقائق، توكدت من صواب ما رأيت في مقالي، فالقول: دول الأمم المتحدة هو عين الصواب، وأيضاً أن هذا القول غريب عجيب، مما يستدعي المصحح إلى تصويبه، فإن كان من حقائق الأرض، فإنه عند العقل اللامعقول.

المقالة تعبر عن راي كاتبها

اندبندنت