21 فبراير 2012


من الصعب في ظل قيادة لا تستوعب التاريخ اليمني ولا تمتلك المعرفة بالواقع وتضاريسه الاجتماعية والسياسية أن يكون المشهد مختلفاً عن الذي نراه اليوم

مصطفى النعمان @MustaphaNoman

كان الحادي والعشرين من فبراير (شباط) 2012 يوماً توهمه كثير من اليمنيين بداية لمسارات سياسية يحتكمون فيها إلى حوار لا يتفوق فيه طرف على آخر إلا بالتوافق والتفاهمات الوطنية والابتعاد عن لغة السلاح وغلبة القوة، وسادت اليمن بهجة عارمة وصفها المبعوث الأممي حينها جمال بن عمر بأنها “معجزة ستكون نموذجاً لحل النزاعات” في بلد مدجج بالسلاح بكافة أنواعه، ورغب المجتمع الدولي أن يكون اليمن نموذجاً مختلفاً عما حدث في بلدان جرت فيها التحولات بالعنف والدماء.

في ذلك اليوم،21 فبراير 2012، تسلم الرئيس عبد ربه منصور هادي علم الجمهورية من نظيره الراحل علي عبد الله صالح، بعدما أعلن انتقال السلطة بصورة سلمية بموجب (المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية) عقب أشهر من الاحتجاجات ضده تخللتها أحداث عنف دامية في تعز وصنعاء وتفجير مسجد دار الرئاسة، ولكنها لم تصل إلى مرحلة الحرب الأهلية الشاملة كما شاهدنا في ليبيا وسوريا. وسبق كل ذلك تنازل صالح في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، بصلاحيات تكليف رئيس الحكومة الجديد إلى نائبه حينها عبد ربه منصور هادي، الذي كلف بدوره محمد سالم باسندوة برئاسة الحكومة التي جرى توزيع حقائبها مناصفة بين طرفي الصراع (المؤتمر الشعبي العام وأحزاب اللقاء المشترك).

لقد كان بالإمكان الوصول إلى نموذج معقول ومقبول لتسيير أعمال الدولة لأن الجميع ارتضى النتيجة التي تم التوصل إليها بموجب المبادرة الخليجية الموقعة بين المؤتمر الشعبي العام بقيادة الرئيس السابق علي عبد الله صالح مع أحزاب المعارضة المنضوية تحت مظلة (اللقاء المشترك)، لكن ما جرى في الواقع كان ينبئ بنقيض تلك الرغبة، لأن الطرفين كان يرتاب كل منهما بنشاطات الآخر، ولم يتمكن الرئيس الجديد عبد ربه منصور هادي من تثبيت سلطاته كاملة في الموقع الذي وصل إليه بعد سنوات طويلة من البقاء في ظل صالح، كما أنه عجز وتراخى عن فرض سلطته على كافة المؤسسات بسبب تعدد مراكز القوى حوله في كافة الأجهزة، وأفرط في الركون إلى المبعوث الأممي والدعم الإقليمي والدولي، متجاهلاً الحاجة إلى سند وطني يشمل كل الفئات التي عارضت استمرار صالح في الحكم، وزاد من ضعف إدارة الصراع والدولة معاً عدم الانسجام بين هادي ورئيس الحكومة باسندوة، الذي لم يتمكن من تسوية الخلافات داخل مجلس الوزراء واتهمه ممثلو المؤتمر الشعبي العام بأنه واقع تحت تأثير وسيطرة اللقاء المشترك، خصوصاً حزب التجمع اليمني للإصلاح.

بعد تأخر لأسباب فنية ومالية، استمرت لعام في ظل ارتباك سياسي ونزاعات بين أطراف الحكومة، انعقدت في 18 مارس (آذار) 2013 أولى جلسات مؤتمر الحوار الوطني في فندق الموفينبيك، سبقتها في يناير (كانون الثاني) من العام ذاته زيارة استثنائية لسفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي إلى صنعاء للتعبير عن دعمهم للرئيس هادي، وشارك في مؤتمر الحوار ممثلون عن كافة القوى السياسية والنساء والشباب، وجاء اختيار التاريخ ليصادف الذكرى الثانية للأحداث الدامية التي عرفت بـ”جمعة الكرامة”، وراح ضحيتها العشرات من الشباب أثناء احتجاجاتهم المطالبة برحيل صالح عن السلطة، كما أن تعقيدات التمويل ومساعي هيكلة القوات المسلحة أعاقت انعقاد المؤتمر بموعده المحدد في المبادرة وآليتها.

منذ اللحظة الأولى لانعقاد مؤتمر الحوار في فندق الموفينبيك الشهير بدأت ملامح الخلافات تطفو على السطح، فتغيب رئيس الوزراء محمد سالم باسندوة عن الحضور احتجاجاً على عدم إشراكه في الأعمال التحضيرية وشعوره بأن الرئيس هادي لم يعد يكترث للتعاون معه ولا التشاور معه في قضايا تسيير الأعمال في الفترة الانتقالية، وصار المشهد اليمني يدار بنزعة فردية، تصور هادي أنه قادر على الإمساك بكل خيوطها الداخلية معتمداً على حرص الإقليم والعالم على المضي في تنفيد نصوص المبادرة التي تم التوقيع عليها في الرياض بحضور الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز في 23 نوفمبر 2011، لكن حسابات الواقع غابت عنه، كما كان واضحاً أنه يتجه نحو القطيعة الكاملة مع الرئيس السابق، ما تسبب في توتر العلاقة بينهما، وهو ما أثر في المسار السياسي والتحالفات الداخلية وتعرقلت كل محاولات التهدئة.

انتهت أعمال مؤتمر الحوار في يناير 2014، وظن كثيرون أن اليمن يسير في طريق وصفه الرئيس هادي في مؤتمر القمة العربية عام 2013 بأنه “سيفاجئ العالم بتحقيق التغيير من خلال الحوار”، وكان ذلك مؤشراً بأن صورة الأحداث القادمة لم تكن حاضرة في ذهنه، وأنه لم يستوعب الواقع وتعقيداته في المنطقة الجغرافية التي تمتلك السلاح، كما غاب عن ذهنه أنه بلا قاعدة شعبية أو قبلية أو عسكرية يستطيع الاعتماد عليها في أي من المعارك التي كانت تظهر على السطح بسرعة في أذهان من يعرفون اليمن، وكان يقف وحيداً، في مواجهة من اعتبرهم أو جعلهم خصومه، إلا من دعم المبعوث الأممي جمال بن عمر والسفير الأميركي السابق جيري فايريستيان اللذين تحولا إلى سلطة حقيقية يلجأ إليهما الرئيس كلما أحس بضغوط محلية عليه.

وارتفعت وتيرة القطعة بينه وصالح إلى حد أنه طلب من الولايات المتحدة تقديم مشروع إلى مجلس الأمن يعتبر الأخير معرقلاً لتنفيذ المبادرة الخليجية وعملية الانتقال السياسي فأُدرج في أكتوبر (تشرين الأول) 2014 في قائمة واحدة مع القائدين الحوثيين عبد الخالق الحوثي وعبد الله يحيى الحكيم (أبو علي الحاكم) تمنعهم من السفر وتجمد أصولهم، وجاء هذا القرار بعد دخول الحوثيين صنعاء في 21 سبتمبر (أيلول) 2014، وعدم اتخاذ الإجراءات التي توقف مسلحي الحوثي في عمران ثم صنعاء، ما اضطره إلى التعامل معهم والقبول بشروطهم في رفض تكليف أمين عام مؤتمر الحوار أحمد بن مبارك بتشكيل الحكومة بعد استقالة باسندوة ثم القبول بخالد بحاح بدلاً منه.

في محاضرة ألقيتها في النادي الثقافي في مسقط شهر مارس 2013، علقت على مجريات الحوار الوطني والآمال التي علقها كثيرون على نتائجه. مرة أخرى، أراني متشائماً من نتائج “الحوار الوطني” وأخشى أن يكون القشة التي قد تقصم ظهر اليمن، وتجعله عرضة لرياح عاتية تمزقه شر ممزق، وتسبب توالي الفشل في إدارة الأحداث إلى المسار المنطقي، إذ من الصعب في ظل قيادة لا تستوعب التاريخ اليمني، ولا تمتلك المعرفة بالواقع وتضاريسه الاجتماعية والسياسية، أن يكون المشهد مختلفاً عن الذي نراه اليوم.