مسلسل “التاج” وصل إلى تناول صحيح للأميرة ديانا فلماذا تأخر؟


تضمنت حياتها وشخصيتها عناصر سينمائية حركت الخيال واجتذبت السينما والتلفزيون

شكلت (حياة وموت) الأميرة ديانا سينما بحد ذاتها. متمردة، ورقيقة، ومأساوية، بدت كأنها تعيش ضمن شاشة عرض كبيرة. لم يكن ثمة شيء عادي في حياتها، من أزيائها إلى صدقها أمام الناس وصولاً إلى حادث موتها المشهود.

لكن، وعلى الرغم من عيشها تلك الحياة السينمائية، لم تجد قصتها طريقها أبداً إلى الشاشة الكبيرة. بيد أن مسلسل “التاج” The Crown الذي يعرض هذا الموسم عبر موقع “نتفليكس” [المتخصص في البث التدفقي للأشرطة المرئية- المسموعة عبر الإنترنت]، تظهر فيه شخصية ديانا بأداء الممثلة إيما كورين، يعد التجربة الأحدث في هذا الإطار. وقد جاءت المراجعات النقدية الأولى التي تناولت المسلسل مرحبة به، كذلك حظيت كورين بانتباه كبير. في المقابل، يبقى الأمر برمته بمثابة معجزة، وذلك نظراً إلى تقلب تاريخ ديانا على الشاشات، مما قد يؤدي بسهولة إلى إساءة فهم قصتها.

وتأتي اليوم تجربة كورين في أداء شخصية الأميرة الراحلة، بعد التجربة المعيبة في هذا الإطار التي قدمتها ناومي واتس في فيلم “ديانا” 2013. كذلك تستبق كورين أداء الممثلة كريستن ستيوارت لدور ديانا في الفيلم المقبل المتمحور حول أميرة ويلز، الذي لم يحظ بعد بعنوان، وسيطلق العام المقبل.

وفي مرحلة تالية، ستتولى إليزابيث ديبيكي المهمة عن كورين فتكمل الدور في الموسمين الختاميين من مسلسل “التاج” اللذين سيعرضان في 2022. وخلال العقود الأخيرة، شهدنا مجموعة من الأفلام التلفزيونية السمجة التي ثابرت على إبراز سلبيات الأميرة الراحلة. فيمكن القول إزاء ذلك، مع استثناء تجربة كورين، إن كل محاولة لتصوير شخصية ديانا جاءت لتمثل درجة معينة من طيف فظيع.

إذ لم تتمكن سوى قلة من تحقيق عمل متوازن عن الأميرة الراحلة. وقد جاء فيلم “ديانا” Diana (2013) شديد التصنع. وكذلك يتسم مسلسل “التاج” حاضراً بالتكرار والمبالغات، مع ناومي واتس ترغي وتزبد وهي تجول في أروقة المستشفيات ومن دار إلى دار في المناطق الريفية.

كذلك جاء فيلم “قصة الحب الملكية لتشارلز وديانا” The Royal Romance of Charles and Diana في 1982 سابقاً لأوانه، إذ أطلق بعد عام واحد من زفافهما واستند إلى كذبة أنهما على وفاق تام. وكذلك جاء العمل المستعجل الذي حققته “القناة الخامسة البريطانية” Channel 5 في 1998، تحت عنوان “تحية إلى أميرة الشعب” A Tribute to the People’s Princess، بالغ السوء أيضاً. إذ صور بأسلوب وطريقة المسلسلات الدرامية واعتمد نصاً حوارياً مضحكاً وركيكاً كأنه ألف بواسطة برنامج كمبيوتر. “الصحافة تجنني!” تصرخ ديانا التي أدت دورها آيمي سيكومب، في أحد المشاهد.

وفي هذا السياق، يمكن اعتبار أن جميع تلك الأعمال المذكورة أشارت إلى استحالة تمكن جهود إظهار ديانا تمثيلاً من بلوغ شروطنا الشخصية الخاصة. إذ بلغت الأميرة شهرتها ونجوميتها لأنها قرنتهما ببعد إنساني فريد وشخصية مرنة على نحو غير اعتيادي. أعجب بعض الناس بها لجمالها ولطفها، وأعجب آخرون بها لتحديها سوء المعاملة. وحتى أولئك الجمهوريون المتشددون، يستذكرونها ويكنون لها بعض التقدير، عاجزين عن نكران ما بذلته من جهود في مجال معالجة الأمراض النفسية والإيدز على مرأى الجميع.

كذلك بادلت [ديانا] العائلة الملكية الكره إياه الذي كنته [تلك العائلة] لها.

وفي موازاة ذلك، بدا جيل الألفية الأصغر معجباً بأسلوبها المتمدن والنضر والخاص، وحضورها النموذجي كفتاة حالمة. لقد مثلت ديانا المرأة المظلومة التي تجاوزت وتفوقت على شخصيات السلطة ممن ظنوا أنهم أوسع منها معرفة، وقد بدت رائعة حين فعلت ذلك.

“هنيئاً لها” يردد أبناء ذلك الجيل، فيما يعاودون عبر “تويتر” نشر تلك الصورة ذاتها من سنة 1994 لـ”فستان الانتقام”، أي صورتها مرتدية الفستان المكشوف الكتفين في عشاء احتفالي، في ذلك المساء ذاته الذي حاول فيه [طليقها آنذاك الأمير] تشارلز عبر مقابلة تلفزيونية إعادة تلميع صورته أمام الرأي العام، وفشل. ويشار هنا إلى أن @LadyDiRevengeLooks هو حساب على “إنستغرام” يحظى بأكثر من 60 ألف متابع.

ديانا، بين الأمس واليوم، امرأة بتفاصيل وأجزاء كثيرة تدور وتتحرك بلا نهاية. لذا يبدو الأمر كأن هنالك أشياء ضائعة، إذا جرى التركيز أثناء تناولها على تفصيل واحد مع إغفال بقية التفاصيل والأجزاء. ولذا أيضاً، تكون أفضل مقاربة تمثيلية لديانا حتى الآن هي تلك التي تعاملت معها باعتبارها أمراً تجريدياً. فيلم “الملكة” The Queen 2006، الذي صور في أعقاب موت ديانا، تناول الأميرة الراحلة كما لو كانت “صدع سان أندرياس” [صدع قاري في جوف الأرض يمتد على مسافة 1200 كلم في ولاية كاليفورنيا، ويشكل الحدود الطبيعية الفاصلة بين صفيحتي المحيط الهادي وأميركا الشمالية، وهو مصدر تهديد دائم بإطلاق زلزال مدمر]، قادرة على بث الأمواج الصدمية في جسم التقاليد والموروثات.

كذلك استوحى فيلم “ديانا وأنا” Diana & Me 1997 الرومانسي الناعم الذي أصدره طوني كوليت بعد رحيل ديانا، استوحى فكرة الأميرة باعتبارها فكرة ملهمة. واستطراداً، بدا ذلك الأخير محاكياً بالدرجة الأولى لفيلم “مورييلز ويدينغ” Muriel’s Wedding (دراما كوميدية أسترالية -1994)، لكن مورييل هنا [في حالة ديانا] ترتدي تاجاً. في المقابل، لا يتوفر الفيلم المذكور إلا على أقراص فيديو رقمية DVD ألمانية. ويعتبر هذان العملان ناجحين لأنهما لم يتعاملا مع قصة ديانا كقصة منتهية بالضرورة.

وصحيح أيضاً أن الأميرة ماتت بحادث السيارة ذاك في باريس، إلا أن روحها بقيت محومة إلى اليوم فوق معظم أفراد العائلة الملكية، وفي فضاء الإعلام والثقافة عموماً. ولن تعود الأسرة الملكية البريطانية أبداً إلى اعتناق تلك العزلة الذاتية القاسية والعيش في بوتقتها، لأن بقاءها ووجودها بذاتهما يعتمدان على الانفتاح والتعاطف مع الآخرين، وقد أرست دعائمهما ديانا من موقعها كشخصية عامة وأم أيضاً. وإذا تحدثنا عن تطفل الإعلام واقتحامه حياة الأفراد، لا بد من ذكر الأميرة الراحلة كونها لفظت أنفاسها الأخيرة تحت وميض فلاشات التصوير. وعلى هذا النحو أيضاً يمكن النظر إلى حياة ديانا الشخصية كأساس ونموذج لفهمنا للخيانة والأذى النفسي.

واستطراداً، لقد غدا فهمنا الجماعي للعلاقات أكثر تركيباً في أعقاب علاقة ديانا وتشارلز والخيانات المتبادلة التي شهدها زواجهما. وكذلك الأمر بالنسبة إلى فكرة “الفوز” بطلاق، ومن الذي يبدو في حالة أفضل بعد الطلاق، ومن يكسب التعاطف أكثر، ومن يحتفظ بالأصدقاء والسلطة. لقد غدا المرض النفسي أقل قبحاً وأقل مدعاة للخجل، والإيدز بات قصة للمأساة الإنسانية ولم يعد مسألة تناقش في أجواء باردة صارمة.

في ذلك السياق، تبقى أسطورة الأميرة ديانا اليوم أسطع من عشرات اللحظات الدراماتيكية التي خبرتها العائلة الملكية في تاريخها المعاصر على مدى أكثر من عقدين. إنها أسطورة تعبر عن وجودنا خلال الأربعين سنة الأخيرة. وبناءً عليه، فمن غير المفاجئ أن يكون مسلسل “التاج” أول من ينشد رواية قصتها (عقود سنوات كاملة، تقريباً، تجري محاكاتها في كل قسم من المسلسل، كما يجري استبدال الممثلين مع الوقت، إذ يفترض تقدمهم في السن ضمن سياق الأحداث)، وتتيح صيغة العرض تناولاً أعمق للنواحي النفسية مع إبقاء فسحة أكبر للتأمل. وهنا، بالنظر إلى مدى الوقت الذي انقضى منذ غياب ديانا، ومقدار الخلل الذي ارتكب في الأفلام والعروض التلفزيونية التي سبق وتناولتها، يمكن القول إنه حان الوقت.

آدم وايت صحافي

اندبنتدنت العربية